عروسة ابني ٢

ليلتي دي كانت أطول ليلة عدت عليا في حياتي. قعدت في أوضتي، الضلمة حواليا كانت خانقة، وكلام ابني لسه بيرن في وداني كأنه رصاص.. “تقبلي على نفسك؟”. الجملة دي كانت بتجلدني، وكل ما أحاول أغمض عيني، أشوف صورة مرات ابني وهي بتعيط يوم ما خدت منها طقم التوزيع، وأشوف نظرة الخيبة في عين ابني وهو بيسيبني ويخرج.
مسكت النوتة اللي كنت فاكراها “خطة استراتيجية”، لقيتها دلوقتي مجرد كومة ورق فضحت طمعي وسوادي. قعدت أراجع تصرفاتي شهر بشهر.. إزاي كنت بدخل المطبخ كأني “مفتش”، إزاي كنت بلعب على وتر “الحنية” عشان أوصل لغرضي، وإزاي أقنعت نفسي إن اللي بعمله ده “مصلحة العيلة” عشان أداري الحقيقة الوحيدة.. إني كنت بستغل طِيبة العروسة عشان أريح نفسي وأوفر لجيب بنتي من جيب غيري.
كلمة ابني عن “ورث بابا” فجرت جوايا حقيقة تانية كنت دافناها؛ أنا مش بس استغليت العروسة، أنا أهنت كرامة ابني ورجولته قدام نفسه. هو كان شايفني “الحكيمة”، وأنا كنت في نظره “المستغلة”. قعدت أقلب في الورق، كل علامة “صح” كنت بحطها بفخر، دلوقتي بقت بتوجع قلبي زي السكاكين.
قمت مشيت في الصالة، بصيت في المراية.. شفت واحدة تانية، واحدة الستات دايماً بيحذرو منها، “الحماة اللي بتدير بيوت ولادها بالتخطيط والكدب”. افتكرت نظرة العروسة يوم ما شالت الحاجات، كان فيها ثقة عمياء فيا، ثقة أنا خنتها بأبشع طريقة ممكنة.
بدأت أسأل نفسي: أنا ليه عملت كده؟ عشان الفلوس؟ ولا عشان حب التملك والسيطرة؟ ولا عشان كنت فاكرة إني أذكى من الكل؟ الحقيقة المرة اللي واجهتني في نص الليل هي إني كنت “ببني” جهاز بنتي على “خراب” ثقة ابني فيا، وعلى كسر قلب واحدة مكنش ليها ذنب غير إنها وثقت في “حماتها”.
دموعي نزلت، ولأول مرة من سنين، بكيت مش على حد، بكيت على نفسي. حسيت إني كبرت، بس مش في السن، كبرت في الغلط. قعدت أراجع كلامه تاني وتالت، كل جملة كان ليها معنى، كل كلمة كانت بتشيل قناع من على وشي.
ساعة الفجر أذنت، وأنا لسه في مكاني، ماسكة الورقة، قررت إني لازم أصلح اللي انكسر، حتى لو التمن غالي. قمت، قطعت الورقة حتت صغيرة، ورميتها في الباسكت. رميت معاها “خطة” طويلة من الأوهام والكدب. بس السؤال اللي كان محيرني دلوقتي.. هل ممكن ابني يسامح؟ وهل مرات ابني ممكن تبصلي تاني بنفس الثقة بعد اللي عملته؟
قعدت على سجادة الصلاة، ورفعت إيدي لربنا، بدعي بقلب مكسور إن يغفر لي، وإن يلهمني إزاي أرجع الحق لأصحابه، وأكسر “المخزن” اللي بنيته من غير ما يهد بيتي كله. الليلة دي كانت أول ليلة بجد أواجه فيها نفسي، وبدأت أفهم إن “الشطارة” مش في إزاي تجمعي حاجات، الشطارة هي إزاي تحافظي على قلوب الناس اللي حواليكي.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا واخدة قراري، جهزت شنطة فيها طقم كاسات كريستال كان عندي، وجمعت كل “المخزون” اللي كنت شايلاه يخصها في كراتين نظيفة، وطلعت على بيت ابني. قلبي كان بيدق بعنف، خايفة من نظرة ابني، وخايفة أكتر من نظرة مرات ابني.
فتحتلي الباب، وشها كان باهت ومخفية فيه علامات التعب، ابني كان واقف في الصالة، نظراته كانت محايدة، لا فيها ترحيب ولا فيها غضب. دخلت المطبخ بقلب جامد، ونزلت الكراتين على الرخامة، وقلت بصوت بيترعش من التأثر: “يا حبيبتي، أنا جيت النهاردة عشان أعتذر لك. قعدت مع نفسي وفكرت.. لقيت إني كنت غلطانة. الحاجة دي جاية عشان تتهني بيها وتفرحي ببيتك، ولو مافرحتيش بيها دلوقتي وإنتي عروسة، هتفرحي بيها إمتى؟ ده جهازك وحقك، وأنا اللي كنت غلطانة لما فكرت إني ‘بحافظ’ عليكي، وأنا في الحقيقة كنت بحرمك من حقك في الفرحة.”
طلعت طقم التوزيع اللي كنت سحبته منها، وحطيته قدامها بابتسامة ندم، وكملت: “يا بنتي، طلعي حاجتك، افرشي ملاياتك، استخدمي أطقمك، البيت بيتك، وأنا مش عايزة أشوف غير سعادتكم.”
بصيت لمرات ابني مستنية رد فعل يطمن قلبي، مستنية أشوف فرحة في عينيها، أو حتى ابتسامة صلح، بس الصدمة كانت في رد فعلها. بصت للكراتين ببرود، وقالت بهدوء غريب: “يا طنط، أنا بجد مش فاهمة ليه كل الكركبة دي؟ أنا فعلاً مرتاحة كده. وماما لما زارتني وشافت نظامي في المطبخ، عجبها جداً، وعملت زيي بالظبط، شالت كل الكركيب الزياده فى مطبخها
وقفت مصدومة، مش قادرة أستوعب كلامها. هي مش بس مش فارق معاها الحاجة، دي كمان خدت “فلسفة التخزين” بتاعتي اللي كنت فاكراها “طمع” وحولتها لأسلوب حياة مقتنعة بيه هي وأهلها! كملت هي بابتسامة هادية: “وبعدين يا طنط، أنا مابقتش أعرف أطبخ وأنا شايفة الرخامة زحمة، أنا اتعودت على النظام ده، والمخزون ده في بيت ماما أضمن وأبعد عن أي كركبة هنا. خليهم عندك أو ودي لجوزي يرجعهم لبيت ماما، أنا بجد مش محتاجة غير اللي قدامي ده.”
بصيت لابني اللي كان واقف بيسمع، ملامحه مكانتش بتدل على غضب، بالعكس، كان بيبص لي بنظرة شفقة، وكأنه بيقول لي: “شوفِ، اللي زرعتيه فيهم بقى جزء من تفكيرهم، حتى لو إنتي رجعتي في كلامك.”
وقفت في الصالة مذهولة، والكلمات وقفت في زوري. بصيت لابني، لقيته باصص لي بنظرة كلها حنية، نزل لمستواي ومسك إيدي وباسها، وقال بصوت واطي عشان مراته ما تسمعش: “يا أمي، كفاية كده.. أنا عارف إنك ندمتي، وعارف إن نيتك دلوقت بقت صافية، ومفيش داعي نفتح في اللي فات، البيت محتاج هدوء مش محاسبة، وأنا مسامحك عشان أشوفك مبسوطة في بيت ابنك.”
قبل ما ألحق أرد أو أستوعب كلامه، لقيت مرات ابني داخلة عليا بابتسامة زي الورد، وفي إيدها شنط كبيرة تقيلة. حطيتهم على الكنبة وقالت بصوت مليان ود: “يا طنطدى هدبه بمناسبه خطوبه جودى ، وكنت جايبة الحاجات دي جديده ومكنتش لسه فتحتها.. خدي يا طنط دول هدية مني لأختي الصغيرة، عشان تجهز نفسها وتفرح، ومبروك عليها مقدماً.”
فتحت الشنط.. لقيت طقمين ملايات تطريزهم يجنن، وطقمين فوط من أغلى الأنواع، والأحلى.. طقم حلل جديد تماماً، لسه في كراتينه.
حسيت ببركان في قلبي، وبغصة في حلقي خلتني مش قادرة أتمالك نفسي. دي البنت اللي أنا كنت بحرمها من استخدام حاجتها، اللي كنت بستخسر فيها تفرش بيتها، اللي كنت “بسرق” فرحتها عشان أجهز بنتي.. هي دلوقتي بتدي بنتي من “جهازها” اللي أنا حاولت أستولي عليه.
من غير تفكير، رميت نفسي في حضنها، وضميتها بقوة لصدري، وبدأت أعيط.. عياط الندم، عياط الست اللي اكتشفت إنها كانت “فقيرة” في روحها رغم إنها حاولت تملأ بيتها حاجات. كنت بضمها كأني بحاول أسترد ثقتها، وبحاول أغسل بدموعي سواد التفكير اللي سيطر عليا شهور.
كنت بقولها في سري: “يا ريتني كنت زيك، يا ريتني كنت بالطيب ده، يا ريتني ما خسرت نفسي وعيالي عشان كراتين وأطقم”.
حسيت في اللحظة دي إني اتعلمت أعظم درس في حياتي؛ إن الأم مش اللي بتجمع وتخزن، الأم هي اللي بتزرع المحبة والتسامح. خرجت من حضنها وأنا بمسح دموعي، وبصيت لابني اللي كان مبتسم وراضي، وحسيت لأول مرة بسلام داخلي حقيقي، بسلام أغلى من كل “المخزون” اللي كان ممكن أجمعه في الدنيا.
قررت ساعتها إني هفتح صفحة جديدة، هكون الحماة اللي هي محتاجاها، الأم اللي بنتها هتفتخر بيها، وهحط كل “جهازي” اللي كنت شايلاه تحت تصرفها هي وجوزها، مش عشان أسيطر، لأ.. عشان أرد جزء بسيط من الطيبة اللي واجهوني بيها

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *