امبارح الضهر

نفس الفردة اللي فاطمة وصفتها آلاف المرات في الصور اللي كانت بتلزقها على حيطان السوق، والملاعب، والأبواب الصاج بتاعة المحلات، وفي كل حتة كانت الناس بتقولها فيها “شدي حيلك يا ست” من غير ما يبصوا للورقة أصلاً.. ده أحمد الصغير ابن فاطمة!
مصرختش، صوتي نفسه هرب مني. محروس بطل يعافر، وظباط الشرطة طلعوا جري على السطوح. واحد فيهم كان صغير في السن، والتاني كان وش راجل شاف بلاوي كتير، بس أول ما شم ريحة الخزان، وشه هو كمان بقى أبيض. زعق وقال: “محدش يلمس أي حاجة!”. محروس قعد يضحك زي الحيوان المحبوس وقال: “خلاص راحت.. أنتوا لمستوا كل حاجة وبوظتوا كل حاجة”.
أنا كنت لسة بسجل فيديو. الضابط الكبير بص له وقال: “بوظنا إيه؟”. محروس كتم بوقه ومأقفلش، بس الفويس بتاع فاطمة اشتغل تاني لوحده من موبايلي: “لو محروس بيقولكم بوظتوا حاجة، اسألوه عن ليلة المطرة.. اسألوه عن الراجل اللي كان لابس السديري الأخضر.. اسألوه عن الشكاير والشنط”.
السطوح كله جاله صمت قاتل. محروس بص لي بغل وكره أعمى وقالي: “يا ابن الـ…”. الكلمة دي كانت مسمار نعشه. الضابط الصغير مسكه من دراعه ولواه ورا ضهره: “امشي قدامي”. محروس زعق: “أنتوا مش عارفين بتلعبوا مع مين!”. الست شادية مسحت بوقها وقالت له: “عارفين ومين قال مش عارفين؟ بنلعب مع ندل وسواطي ساب أم تدفن الهوا والمخدات لأربع سنين”.
عربيات شرطة تانية جت، وبعدين رجال الإسعاف والطب الشرعي، وعربية نقل موتى بيضا. السطوح اتملا كشافات، وجوانات، وأكياس، وكاميرات، وأسئلة مبتخلصش. السوق والمنطقة تحت مكنتش لسة صحيت بالكامل، بس كانت فيه أبواب محلات صاج بدأت تترفع. في منطقتنا هنا، الفجر مبيقعدش كتير، بسرعة كدة تلاقي اللي بيبيع شرابات، وكواتشي، وأكل، وأي حاجة.. كل حاجة للبيع هنا، إلا الكرامة.
الصبح ده، كانوا بيبيعوا السكوت كمان.. بس محدش بقى قادر يشتريه خلاص.
قعدوني على جردل مقلوب عشان بوقي كان بيجيب دم. دكتور الطب الشرعي طلع الكيس من الخزان بالراحة، مخلوناش نشوف التفاصيل، والحمد لله إنهم ممكنوناش.. أنا يا دوب لمحت حتة قماش زرقا عليها رسمة ديناصورات.. التيشرت بتاع أحمد الصغير.. التيشرت اللي فاطمة عمرها ما بطلت تغسله في خيالها.
جوه الخزان، ظهر كمان علبة لانش بوكس بلاستيك، متقفل عليها بأكياس ولزق. مكنتش بتاعة الولد، دي كانت بتاعة فاطمة! كان جواها موبايل قديم، وفلاشة، وقصاصات جرايد، وصور من محاضر الشرطة، وأجندة مكتوب فيها تواريخ.. أربع سنين من التواريخ! أربع سنين كاملة وهي بتجمع الفتافيت اللي محدش كان راضي يبص لها، وكأنها كانت مستنية اللحظة اللي تلاقي فيها الدليل اللي يثبت مكان أحمد نفسه، لأنها كانت عارفة إن التسجيلات والشكوك والكلام لوحدهم مش هيحمّوها لو قررت تواجه الناس دي. كل ليلة طلعت فيها السطوح كانت مكتوبة، وكل حاجة سمعتها كانت متسجلة، وكل مرة محروس قالها فيها: “بطلي أسئلة”، وكل مرة حد من شقة ٤د شاف الراجل اللي لابس سديري أخضر داخل بشنطة وراجع من غيرها، وكل مرة حاولت تفتح بوقها وحد يفكرها إن أحمد مش العيل الوحيد في الدنيا… كانت كاتباها كلها، سطر ورا سطر، كأنها بتحارب النسيان بإيديها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *