بعد ١٤ ساعه ولاده
روايات رولا
الأسبوع اللي بعده، أمي اتصلت. نبرة الابتزاز والسيطرة كانت اختفت. اعترفت لي بصوت واطي إنها بدأت تتابع مع دكتورة نفسية، واعتذرت إنها كانت بتتعامل مع شغلي العسكري ده كأنه حنفية فلوس مفتوحة ليها الحق تفتحها وقت ما تحب.
قبلت اعتذارها، بس حطيت الخطوط العريضة بصرامة عسكرية:
“أنا مبسوطة إنك بتتعالجي يا أمي. بس القواعد ثابته: مفيش كلام في فلوس، مفيش زيارات من غير ميعاد، ومفيش ابتزاز عاطفي باسم الأمومة. لو الخط ده اتعدى.. التواصل هيتقطع تماماً.”
قالت بصوت واطي: “فاهمة يا سلمى.”
والجميل في الموضوع.. إني ما كنتش محتاجة أتأكد هي صادقة ولا بتعمل فيلم عشان أحس بالأمان. أبواب قلعتي بقت مقفولة ومتأمنة، احترمت حدودي أو ما احترمتهاش ده ما يفرقش معايا.. أنا معايا القوة إني أفرضها!
في الشتا ده، أخدت أحمد وفريدة وسافرنا لجدتي كوثرية في إسكندرية نقضي الإجازة. كنت مجهزة نفسي لأي كمين، ومستنية حد يجرجر جثث الخناقات القديمة على السفرة.
بس الجو كان صافي تماماً.
الكل التزم بالقواعد الجديدة، لسبب بسيط: فهموا إني عندي القدرة الكاملة إني ألم حاجتي وأمشي فوراً وما أرجعش تاني. جدتي كوثرية كانت قاعدة على كرسيها الفرو، بتشرب الشاي وبتبصلنا بابتسامة ذكية.. ابتسامة ست استنت 30 سنة عشان تشوف حفيدتها أخيرًا بتوقف على حيلها وبترد كرامتها.
أنت ما تقدرش تمسح التروما والأذى النفسي بتاع عمر كامل في عزومة غدا.. بس الحمل الثقيل والمخفي بتاع التوقعات اتطهر واتشال. ولما الاتكال المالي اتكسر، علاقتنا بقت حاجة جديدة.. صحية، متوازنة، وآمنة.
أنا قاعدة دلوقتي في بيتي في الإسماعيلية، وبتفرج على فريدة وهي بتبني برج من المكعبات الخشبية. بتلعب في بيئة مليانة ضحك وصبر، خالية تماماً من التوتر والضغط اللي أنا كبرت وأنا بتنفسه.
هي عمرها ما هتعرف إن الحب ممكن يكون عملة وتجارة.. ولا عمرها هتشيل هم إنها مسؤولة عن سعادة كبار مش عارفين يديروا حياتهم.
زمايلي في القطاع أوقات بيسألوني إزاي قدرت أعدي من الحرب العائلية دي. بيقربوا وهم مستنيين قصة أكشن فيها زعيق وأطباق بتتكسر..
بس الحقيقة أقل سينمائية بكتير.. وأقوى بكتير:
أنا نجيت لما حاضنت الهدوء.. لما بطلت أرد على إنذارات الحريق اللي معمولين عشان يسرقوا سلامي النفسي.. لما بطلت أعتذر إني عندي حياة، ومرتب، وجواز يخصوني أنا بس.
أنا تقاعدت من دوري المفروض عليا كـ “خطة طوارئ” لناس ما كانوش عاوزين أخت ولا بنت.. كانوا عاوزين ماكينة صراف آلي.
ولما حطيت الحدود دي.. أنا ما خسرتش عيلتي، أنا بس شيلت الستارة وشفتهم على حقيقتهم. ولما تخيرت بين راحتهم وبين نجاتي… أنا اخترت نفسي.
السلام مش هدية بيدهالك ناس عقلاء.. السلام ده أرض أنت بتنتزعها بقوتك وتحميها بكل شراسة. ولما تبطل تبيع صحتك النفسية عشان تشتري رضا اللي بياذوك.. ساعتها بس، تبدأ تعيش بجد.
لو القصة دي لمست قلبك أو تعرف حد محتاج القوة عشان يرسم حدوده.. اعمل لايك وشير للمقال عشان يساعدهم يلاقوا صوتهم!