انا وسلفتي ٤

>

أمسكنا بحقائبنا، وخرجنا من باب الشقة نجر وراءنا ذكريات أيام مريرة من المقارنات والظلم. وبينما كنا نهبط درجات السلم، كانت أصوات همسات الجيران الذين تجمعوا ليروا رحيلنا تملأ المكان، وعيون حماتي وسلفتي تلاحقنا من شرفة الطابق الأرضي بنظرات تخلط بين الغيظ العارم، والندم الخفي الذي بدأ يتسلل إلى قلوبهما.

ركبنا السيارة التي كانت تنتظرنا، وتحركت بنا نحو القاهرة.. نحو شقة أمي وأخي الجديدة، ونحو عالم البشوات والشركات والمستقبل الذي صُنع من طهر وعزة نفس. ولكن، كيف ستكون الصدمة الكبرى للحاجة فاطمة وسلوى عندما تصلهما أخبار الحفلة الضخمة التي سيقيمها أولاد خالتي في القاهرة للاحتفال بشراكة كريم وأخي الأكبر؟ وما هي المفاجأة التي يخبئها طارق ورشا لعائلة البيت الكبير في الأيام القادمة؟

انطلقت بنا السيارة متجهة نحو القاهرة، ومع كل كيلومتر نقطعه، كنت أشعر وكأن جبالاً من الهموم والوجع تنزاح عن صدري، وكأن الهواء بدأ يصبح أنقى وأخف. التفتُّ إلى كريم، فوجدته ينظر إلى الطريق وعيناه تلمعان ببريق جديد؛ لم يكن بريق الانكسار الذي ألفته فيه داخل البيت الكبير، بل كان بريق الأمل والرجولة الواثقة التي استردت كرامتها ومقامها.

وصلنا إلى القاهرة، وكان في استقبالنا أولاد خالتي: طارق وعاصم وماجد، برفقة أمي وأخي الأكبر. لم يكن الاستقبال عاديًا، بل كان يليق بملوك؛ أخذونا فورًا إلى حيّ من أرقى أحياء العاصمة، وتوقفت السيارات أمام مبنى سكني فخم يخطَف الأبصار. هناك، فتح طارق باب الشقة الكبرى المخصصة لي ولكريم، والتي كانت عبارة عن قصر مصغر يفوح برائحة الفخامة والأثاث المستورد الذي اختاره أكبر مهندسي الديكور على حساب ورث أمي وأرباحها. وعلى الجانب الآخر، كان بيت أمي وأخي يقع في نفس المربع السكني الراقي، ليجتمع شملنا من جديد ولكن في ثوب الجاه والرفعة.

بدأت حياتنا الجديدة في القاهرة، وعشنا أنا وكريم أحلى أيام عمرنا، عيشة هنيئة ورغدة لم نكن نحلم بها حتى في أشد خيالاتنا تفاؤلاً. استيقظت في الأيام التالية لأجد نفسي ملكة في بيتي؛ لا مطبخ أرضي يُفرض عليّ فيه العمل طوال الفجر، ولا “طبخة مذلة” تُنسب لغيري تطييبًا لخاطر المال والمظاهر، ولا عيون تتفحص سجاجيدي وأثاثي لتبحث عن نواقص تسخر منها.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *