شاف طليقته

عشان أختار الألوان اللي تليق عليكي. الورقة دي كانت خطة عمل عشان نضمن إن كل حاجة تكون مثالية من غير ما تشكي.”
في تلك اللحظة، دخل ياسر الغرفة، وبمجرد أن رأى ملامح وجهي الشاحبة، فهم فوراً. اقترب منا بابتسامته الهادئة وقال: “أظن إن نور فهمت الموضوع غلط يا سارة؟”
ضحكت سارة وقالت: “بصي يا نور، أنا عارفة إني ساعات بكون مزعجة وبحاول ألفت النظر، بس يوم فرحك كان هدفي الوحيد إنك تكوني أسعد عروسة، حتى لو اضطريت ألبس زيك عشان أخفف عنك التوتر.”
نظرت إلى ياسر، ثم إلى سارة التي كانت عيناها صادقتين تماماً. شعرت بخجل شديد من شكوكي، ومن كل الأفكار السيئة التي دارت في رأسي. أدركت حينها أن “غيرتي” القديمة من أختي هي التي جعلتني أرى الأمور بغير حقيقتها، وأن ما اعتبرته “منافسة” منها، كان في الحقيقة محاولة منها للتقرب مني وإسعادي.
اعتذرت لهما بصدق، وشعرت بدموع تنهمر من عيني، ليس حزناً، بل تأثراً بحبهم.
خرجنا للقاعة، وكان كل شيء مرتباً بشكل يفوق الخيال. لم تكن سارة تحاول سرقة الأضواء، بل كانت هي “الجندي المجهول” الذي جعل كل تفصيلة في فرحي تبدو كالحلم.
في منتصف الفرح، أمسكت سارة بالميكروفون، وقفت وسط القاعة، ونظرت إليّ وقالت أمام كل الحضور: “نور مش بس أختي، هي نصي التاني. النهاردة أنا مش لابسة أبيض عشان أكون عروسة، أنا لابسة أبيض عشان أقول للعالم كله إن أختي هي الملكة النهاردة، وأنا خادمة فرحتها.”
انفجر الحضور بالتصفيق، وشعرت أن قلبي يتسع للفرح لأول مرة. في تلك الليلة، لم أكتسب زوجاً محباً فقط، بل استعدت أختي التي كنت أظن أنها خصمي، لأكتشف أنها كانت دائماً أكبر داعمة لي.
انتهى الفرح بذكرى جميلة، ودرساً تعلمته للأبد: أن الظنون قد تخدعنا، لكن القلوب الصافية هي التي تبقى.
مرت السنوات، وأصبحت تلك الليلة عالقة في ذاكرتي كأجمل درس تعلمته في حياتي. لم تعد “المنافسة” بيننا موجودة، بل تحولت إلى شراكة من نوع خاص؛ فكلما مررنا بضيق أو فرح، نتذكر كيف أن سوء الظن كاد يفسد أجمل ليالينا، وكيف أن القلوب حين تتصافى، تنكشف الغيوم وتظهر الحقائق المشرقة.
سارة لم تعد تلك الفتاة التي تحاول خطف الأنظار، بل صارت سندي الأول، وأصبحت “خطة الست شهور” التي ظننتها مؤامرة، ذكرى نضحك عليها في كل تجمع عائلي، ونسميها “مفاجأة العمر”.
أما ياسر، فقد كان دائماً يذكرني بتلك اللحظة، ويقول بابتسامته الحنونة: “يومها، لما شفت نظرة الشك في عينيكي، عرفت وقتها إنك فعلاً بتغيري عليا، ودي كانت أجمل هدية في فرحي.”
أدركت حينها أن الحب الحقيقي هو الذي يتجاوز الشكوك، وأن العائلة هي الملاذ الذي لا يخذلنا مهما اشتدت الظنون. أختي، التي كنت أراها يوماً ما منافستي اللدود، صارت اليوم هي التي تحتضن أطفالي وتغني لهم، وتلك الفساتين البيضاء التي لبسناها معاً في صوري، لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت توثيقاً لرحلة حب تجاوزت كل سوء تفاهم.
انتهت الحكاية، ولكن بدأت خلفها حياة مليئة بالثقة والامتنان، حياة تعلمتُ فيها أن “أختي” ليست مجرد رفيقة درب، بل هي النور الذي يكملني حين تظلم الرؤية في عينيّ.
تمت.
اريع ضخمة في دبي ونيويورك ومدريد من غير ما يرمش له جفن أو يتردد لحظة واحدة. الناس في البلد وفي أوساط المال والأعمال كانوا بيسموه ملك المقاولات، لأن أي مشروع يحط فيه إمضته أو يلمسه كان بيتحول فورا لأبراج فخمة، ومولات ضخمة، ومجتمعات سكنية مغلقة ومخصصة للأغنياء وصفوة المجتمع بس. كان عايش في برجه العاجي، محاطاً بحراسة مشددة وسيارات فارهة، وشايف إن كل حاجة في الدنيا ليها ثمن، وإن المشاعر مجرد نقطة ضعف بتعطل قطار النجاح والنفوذ. طلق زوجته فريدة من حولي أربع سنين ونص بسبب خلافات حادة وغيرة من نجاحه وطموحه الأعمى اللي خلاه ينسى بيته وحياته معاها، سابها وهي پتبكي وما فكرش يسأل عنها أو يعرف راحت فين، واعتبر صفحتها اتقفلت للأبد في كتاب حياته المليان بالارقام والصفقات والنجاحات المتتالية.
لكن في عصر يوم جمعة هادي، وهو داخل مخبز بسيط ومتواضع جداً في حي شعبي قديم، بعيد تماماً عن مناطقه المعتادة، نزل من عربته الفارهة عشان يشتري نوع معين من الخبز التقليدي بناءً على نصيحة طبيبه الخاص، وفجأة اتجمد مكانه قدام مشهد عمره ما كان مستعد يشوفه أو يتخيله حتى في أشد كوابيسه. طليقته فريدة كانت واقفة عند بائع الخبز والكاشير، بتعد شوية عملات معدنية بسيطة وفكة مجمعاهم فوق الرخامة الخشبية بتوتر واضح. جنبها كان فيه طفلين توأم، شكلهم عندهم حوالي أربع سنين، لابسين شنط مدرسية قماشية بسيطة عليها رسومات ديناصورات ملونة، وركبهم الصغيرة كلها خدوش وچروح بسيطة من كتر اللعب والجري في حوش المدرسة أو الشارع. واحد منهم كان واقف على طراطيف صوابعه وباصص على لفائف القرفة المخبوزة ورا الزجاج كأنها كنز كبير بعيد المنال ويشتهيها بشدة، والتاني الهادي كان ماسك في إيده كشكول صغير مليان رسومات وتلوين للكواكب والنجوم والفضائ الخارجي.
قال الطفل الهادئ بنبرة طفولية حزينة هزت جدران المخبز يا ماما، لو الفلوس مش كفاية عشان الحلوى، أنا مش عايز عيش كمان، شيلى نصيبي. ابتسمت الأم فريدة بابتسامة مريرة فيها كمية كرامة وتعب وعزة نفس في نفس الوقت، وطبطبت على كتر الطفل وقالت كفاية يا حبيبي والخير كتير… بس هنعدهم كويس عشان ندي عمه حقه. عاصم حس في اللحظة دي إن الأرض بتميد من تحته، وإن جدران المكان بتلف بيه. مش معقول، دي فريدة! هي لسه ما شافتوش ولا حست بوجوده. شعرها مربوط ببساطة، ولابسة بلوزة عمل بسيطة جداً وقديمة، وعلامات الإرهاق والتعب والسهر واضحة ومحفورة في خطوط رفيعة حوالين عينيها الجميلة. ما بقتش الست الشابة النضرة اللي كانت بتتعشى معاه زمان في أفخم فنادق العاصمة وسط وعود حب وأحلام وردية ما كملتش بسبب قسۏة قلبه. بقت أم بتحارب لوحدها في طاحونة الحياة عشان تعيش وتأكل عيالها. صاحب المخبز، وهو راجل عجوز وطيب، حس بحالها وزق لها كيس كبير مليان مخبوزات وحلويات زيادة وقال بصوت واطي وخجول خدي دول كمان للأولاد يا بنتي، بركة المخبز اليوم. فريدة ردت بسرعة وعزة نفس لا يا عمي، كده مينفعش، أنا هاخد على قد فلوسي بس. الراجل قال ما تكسفينيش قدام نفسي وقدام الأولاد يا بنتي، دول زي ولادي. التوأم الصغيرين فرحوا جداً وصفقوا بهدوء وسعادة طفولية بريئة هزت قلب عاصم من جوه. أما هو، فرجع لورا بسرعة وړعب قبل ما تلتفت وتبص ناحيته،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *