ست عجوزه طلبت مني اتجوزها

لكن قبل ما أفك ختم الظرف، رن تليفوني.

كان المحامي عبد الرحمن.

قال بهدوء:

“لو لسه مش فتحت الرسالة، يبقا تيجي وتفتحها قصادي… عشان محتاج اخليك تشوف مستندات تثبت كل كلمة فيها.”

…

تاني يوم، دخلت مكتب المحامي، فاتفاجئت إن محمود قاعد هناك، ووشه كله غضب، وأول ما شافني قال بسخرية:

“جاي تستلم الباقي؟”

المحامي رفع إيده وقال بحزم:

“النهارده محدش هيتكلم غير لما الرسالة تخلص.”

فتح الظرف، وبدأ يقرأ بصوت الحاجة زينب.

“بسم الله الرحمن الرحيم…

يا يوسف…

لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا بقيت بين إيدين رب كريم، وبقيت مطمنة إن الوقت جه تعرف الحقيقة اللي أخفيتها عنك سنتين كاملين، من أول يوم شوفتك فيه داخل دار الرعاية.”

وقفت أنفاسي.

“يمكن دلوقتي تسأل نفسك… إزاي عرفتك؟

الحقيقة إني ما عرفتكش من أول نظرة، لكن كان فيه شبه كبير بينك وبين الصورة اللي معايا والوحمة، خلاني أطلب من المحامي يدور في الأوراق القديمة، ورا سجلات دار الأيتام، وشهادات الميلاد، وصور قديمة كنت محتفظة بيها من سنين.”

صور. شهادات وقال:

“الحاجة زينب بدأت رحلة البحث من أول أسبوع يوسف اشتغل فيه هنا، واستمرت أكتر من شهر، لحد ما اتأكدنا بنسبة مية في المية.”

ثم أكمل قراءة الرسالة.

“أحمد… ابني الوحيد… اتجوز أمك بعد وفاة زوجها، وكان عندها طفل صغير اسمه يوسف.

أحمد عمره ما شافك ابن مرات… كان بيقول قدام الناس كلها: ده ابني.

وكان يحلم يربيك ويكبرك ويجوزك بإيده.”

بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.

لكن الرسالة كملت.

“قبل ما أحمد يموت بأيام، مسك إيدي وقال:

يا أمي… يوسف أمانة في رقبتك… أوعي تسيبيه لوحده.”

أخرج المحامي ورقة صفراء قديمة.

وقال:

“دي وصية أحمد بخط إيده.”

قرأ منها:

“يمكن ماكنش ابني من دمي… لكنه ابني اللي هتحاسب عليه قدام ربنا.”

ماقدرتش أرفع عيني.

حسيت إن في أب عمري ما عرفته…

كان فعلًا بيحبني.

ثم أكمل المحامي.

“بعد وفاة أحمد، اتجوزت أمك، لكن زوجها الجديد رفض وجودك، وبعد شهور قليلة أخدك، ووداك دار أيتام من غير ما حد يعرف، ولما وصلت أجري عليك… كنت اختفيت.”

وسكت لحظة.

ثم أكمل.

“فضلت ألف بين دور الأيتام، وأسأل، وأدفع، وأدور عليك أكتر من عشرين سنة… وكل مرة كنت أوصل لطرف خيط، كان يضيع مني من جديد.”

كانت كل كلمة بتنزل على قلبي كأنها عمر كامل من الوجع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *