ست عجوزه طلبت مني اتجوزها
فقال:
“صدقني يا يوسف مش هتلاقي اللي إنت فاكره.”
قفل المكالمة.
ورجعت أبص للحقيبة.
المرة دي قربتها مني وأخدت نفسًا طويلًا.
وببطء شديد فتحت السحّاب قلبي كان بيدق بعنف.
كنت مستعد أشوف رزم فلوس أو سبايك دهب أو مفاتيح خزنة أو عقود أملاك أي حاجة تثبت إن الناس كانت عندها حق لكن…
ماكانش فيه أي حاجة من دي. ولا جنيه واحد. ولا قطعة دهب. ولا مفاتيح. ولا صكوك. ولا حتى دفتر شيكات.
فضلت أقلب محتوياتها وأنا مستغرب. لقيت صور قديمة، أطرافها مصفرة من الزمن. ودفاتر مذكرات مكتوبة بخط ست كبيرة.
ولعبة طفل خشبية صغيرة، لونها بهت من كتر السنين، لكن واضح إنها كانت غالية على صاحبها.
وكمان رزم كاملة من الرسائل، مربوطة بشرائط قماش قديمة، وكل مجموعة عليها تاريخ مختلف.
وفوق كل ده كان فيه ظرف أبيض أكبر شوية من الباقي لكن قبل ما أمسكه شدتني الرسائل.
فكيت أول شريط. وسحبت أول جواب وأول ما بصيت لأول سطر…
وقفت مكاني كان مكتوب بخط الحاجة زينب:
“إلى يوسف…”
افتكرت إنه أكيد الجواب ليا.
فتحت التاني…
لقيت نفس البداية.
“إلى يوسف…”
والتالت والرابع. والخامس كل الرسائل .بدون استثناء بتبدأ بنفس الجملة.
فضلت أبص للأوراق وأنا مش فاهم.
وقلت بصوت مسموع، كأني مستني حد يرد عليا:
“مين يوسف ده؟”
بدأت أقلب بسرعة أكبر..لقيت صورة قديمة لطفل عنده يمكن ثلاث أو أربع سنين.. واقف بيضحك وفي حضنه راجل شاب، ملامحه كلها حنان.
والحاجة زينب واقفة جنبهم، وحاطة إيديها على كتف الطفل، وابتسامتها في الصورة مختلفة عن أي ابتسامة شوفتها على وشها.
فضلت أبص للصورة طويلًا.. حاسس إن ملامح الطفل مألوفة لكن مش قادر أحدد ليه.
قلبت الصورة من ورا.. ماكانش مكتوب عليها غير تاريخ قديم. رجعت أبص للشنطة ولقيت ظرفًا منفصلًا عن باقي الأوراق.
كان مقفول بعناية، وكأنه آخر حاجة اتقفلت قبل ما الحاجة زينب ترحل.
وعليه بخط مرتعش، لكنه واضح، كانت مكتوبة جملة واحدة:
“يا يوسف… لو وصلت للرسالة دي… يبقى أنا وفيت بوعدي.”
فضلت ماسك الظرف بين إيديا، وقلبي بيدق أسرع من أي وقت فات، وكل ما كنت أقرب إني أفتحه، كانت إيدي ترتجف وكأنها رافضة تعرف الحقيقة، لأن الإنسان أوقات بيخاف من الحقيقة أكتر ما بيخاف من الكذب، خصوصًا لما يحس إن الحقيقة دي ممكن تهد كل اللي عاش مؤمن بيه طول عمره.