انا عايش في محافظة

اماني سيد

بصيت لماسة وهي بتتكلم بالطريقة دي، ولقيت كلامها بيلمس حتة جوايا كنت بحاول أداريها. الشيطان شاطر، وزين لي كلامها في ثانية؛ قولت لنفسي فعلاً.. هي اللي مشيت برجلها، وهي اللي اختارت تسيب البيت وتطلب الطلاق وتتخلى عني وعن أمي في وقت كنا محتاجينها فيه.
نفضت كُم قميصي براحة وبلعت ريقي وأنا بحاول أظهر بمظهر الراجل القوي اللي مفيش حاجة تكسره، وقولت لماسة وأنا بطبطب على كتفها:
* “عندك حق يا ماسة.. اللي يبيعنا نبيعه، وأنا مفيش واحدة تكسر كلمتي ولا تلوى دراعي. هي اللي اختارت تمشي وتخرب على نفسها.”
التفت لأمي اللي كانت واقفة متابعة الحوار وعينيها بتلمع بانتصار وقالت:
* “أيوا كدة يا واد يا معتز، ده أنا ربيتك راجل وسيد الرجالة! سيبك منها بكرا تندم وتعرف إن الله حق.. المهم دلوقتي ادخل ارتاح أنت ومرتك، وأنا هلم الأكل ده وأشيله في التلاجة، والصباح رباح.”
دخلت الأوضة مع ماسة، بس السرير مكنش مريح زي كل مرة. كنت نايم وجنب السرير التاني المزين بالدلع، بس كان فيه صوت جوايا مكتوم.. صوت مشيرة وهي بتصرخ “لما أنا كنت حامل مين شالني؟!” وصوت ضحكتها الهستيرية اللي وجعت قلبي غصب عني. حاولت أطرد الأفكار دي من دماغي وأنا بضم ماسة ليا وبقول لنفسي: “المهم ابني اللي جاي.. المهم حياتي الجديدة.”
عدى أسبوعين، ورجعت شغلي في المحافظة التانية واخدت ماسة معايا. كنا عايشين حياتنا، بس الدنيا مابقتش وردي زي الأول. حمل ماسة بدأ يتقل بجد، ومبقتش قادرة تعمل كوباية مية لنفسها، وكل شوية تشتكي وتتأفف وتطلب دليفري أو تطلب مني أقف أنا اطبخ وأغسل المواعين بعد ما أرجع من شغلي هلكان.
في يوم وأنا واقف في المطبخ بوقفتي المهدودة وبغسل المواعين بعد يوم شغل طويل، افتكرت مشيرة.. افتكرت إني عمري ما شوفتها ماسكة مقشة وبتشتكي، عمري ما طلبت مني أساعدها في لقمة، كانت بتعمل كل حاجة وهي ساكتة وراضية، وبلقمتها الحلوة كانت بتستقبلني بابتسامة رغم تعبها.
وقفتي دي قطعتها رنة تليفوني.. كان رقم غريب. مسحت إيدي في الفوطة بسرعة ورديت:
* “ألو.. مين معايا؟”
جالي صوت راجل وقور وجاد جداً على الناحية التانية وقال:
* “معتز معايا؟ أنا الأستاذ مجدي المحامي، موكل من مدام مشيرة.. وببلغك إننا رفعنا قض*ية خلع ونفقة، وبنطالب بكافة حقوقها الشرعية والمؤخر، بالإضافة لقض*ية تبديد منقولات زوجية لأننا عرفنا إنك نقلت حاجتها في بيت أهلك من غير علمها.”
التليفون كان هيفلت من إيدي، والدم هرب من عروقي فجأة…سكتّ لثواني والتليفون على ودني، والمحامي كمل كلامه وحذرني إن قدامي أيام قليلة قبل ما الإجراءات الرسمية تبدأ في المحكمة. قفلت السكة وأنا حاسس إن جبل نازل فوق دماغي، والبيت كله بيلف بيا. قض*ية خلع؟ وتبديد منقولات؟! مشيرة اللي كانت مابتفتحش بوقها بكلمة، هتقف قصادي في المحاكم وتجرجرني؟!
طلعت من المطبخ وأنا وشي جايب ألوان، ولقيت ماسة قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على بطنها وبتتأوه بوجع وعياط مصطنع:
* “آه.. الحقني يا معتز، أنا مش قادرة خالص، ضهري هينقسم نصين والبيبي عمال يتحرك ويتعبني.. أنت سايبني تعبانة كدة وواقف في المطبخ بتعمل إيه كل ده؟!”
قبل ما أنطق ولا أقولها على مصيبة المحامي، تليفوني رن تاني، بس المرة دي كانت أمي. رديت وأنا مخنوق:
* “أيوة يا أمي.. خير؟”
أمي أول ما سمعت صوتي، قالتلي بنبرة كلها أمر ولؤم:
* “جرى إيه يا معتز، صوتك عامل كدة ليه؟ سيبك من الهم دلوقتي واسمعني.. أنا كنت قاعدة بفكر في مرتك ماسة، البت لسه صغيرة وبكرية، وحملها تقيل عليها في الغربة لوحدها وأنت طول النهار في الشغل. هتعمل إيه هناك وتخدمك إزاي؟”
بلعت ريقي وقولتيلها:
* “طب والعمل يا أمي؟ ما أنا واخد بالي منها أهو على قد ما أقدر.”
أمي زعقت وقالت:
* “تاخد بالك منها إيه يا خايب! أنت راجل وراك شغلك.. اسمع الكلام، أنت تجيب ماسة وتيجي تقعد معايا هنا في البلد. البيت واسع، وأنا هقعد معاها، تخدمها وتريحها من تعب الحمل ده لحد ما تقوم بالسلامة، وأهو بالمرة اللقمة اللي نعملها ناكلها سوا بدل بهدلتك في الغربة دي لوحدك.”
ماسة كانت سامعة صوت أمي العالي من التليفون، وفجأة عينيها لمعت والوجع اختفى، وشاورتلي بإيدها وهي بتبتسم وبتقولي من غير صوت: “أيوة.. وافق بسرعة!”.
أنا حسيت إن كلام أمي جالي من السماء؛ قولت لنفسي فعلاً، أهو ماسة ترتاح هناك وأمي تشيلها، وأنا أفضى للمصيبة اللي طبّت فوق دماغي من ناحية مشيرة ومحاميها، وأعرف أتصرف في حكاية العفش والقواضي دي من غير ما ماسة تقعد تزن فوق دماغي هنا.
بصيت لماسة وقولت لأمي في التليفون:
* “ماشي يا أمي، كلامك صح.. أنا هلم الهدوم وهجيب ماسة ونيجي على أول الأسبوع، أهو تكوني جنبها وتريحيها فعلاً.”
قفلت مع أمي، وماسة قفزت من مكانها وفرحت وقالت: “يا حبيبي يا معتز! أهو كدة كتر خيرها حماتي، هروح هناك أتصيت وأرتاح والكل يخدمني!”.. مكنتش تعرف، ولا أنا كنت داري، إن الخطوة دي هي بداية الهدد الحقيقي، وإن أمي اللي كانت بتدلعها وهي ضيفة، حساباتها هتتغير تماماً لما تعيش معاها في بيت واحد…
واللى انا مكنتس اعرفه إن لكل واحدة فيهم حسابات تانيه خالص وانى هكون ضحيتهم
نزلت البلد وأنا حاسس إن الأرض بتلف بيا، القواضي والمحاكم والمحامي اللي كل شوية يتصل يهددني بـ “حجز” و”حبس” خلوا ركبي تخبط في بعضها. قولت لنفسي: “أنا مش حمل فضايح، ولا حمل قواضي تهد مستقبلي، وشغلي اللي في المحافظة التانية مش هعرف أركز فيه طول ما الس*كينة على رقبتي كدة.. أنا لازم أخلص من قصة مشيرة دي بأي ثمن عشان أفضى لماسة وابني اللي جاي، وأمي تشيل ماسة هناك في البلد وأنا دماغي تروق”.
كلمت المحامي وقولتله: “أنا هجيلكم المكتب، مشيرة وادوا لها كل اللي هي عايزاه.. المؤخر، النفقة، العفش، مش عايز من ريحتها حاجة، بس نخلص ودي من غير محاكم”.
يوم المقابلة في مكتب المحامي، دخلت وأنا عامل نفسي مش هاممني، بس أول ما شفت مشيرة قلبي انقبض. كانت قاعدة بكل هدوء وثقة، وشها اللي كان دبلان من الخدمة والتعب في بيتنا، ردت فيه الروح وبقى صافي ومرتاح، وكأن الهم انزاح عن كتافها. مابصتليش ولا حتى نظرة عتاب واحدة، كانت بتتعامل كأني حتة جماد واقف في الأوضة.
المحامي حط الورق قدامي، ورق تنازلات وإقرارات بـ استلام كافة الحقوق والمؤخر، وورق تاني يضمن إني أمضي على كل مليم وكل حق ليها، ومعاهم ورقة الطلاق. بصيت للورق وبصيت لمشيرة، وعلّيت صوتي ببرود مصطنع عشان أداري كسرتي قدام المحامي:
* “أهو يا مشيرة.. كل حقوقك ومؤخرك وفلوسك هتاخديها اهي فوق الجزمة، عشان تعرفي بس إن معتز مابياكلش حق حد، وإنك أنتِ اللي خسرتِ بيتك وجوزك بغبائك”.
مشيرة ماردتش عليا، ملامحها ما تهرتش ولا اتهزت، بصت للمحامي وقالتله بصوت هادي وقوي:
* “خليه يمضي يا أستاذ مجدي.. خليه يمضي على كل ورقة، ويمضي إنه طلقني طلقة بائنة لا رجعة فيها، عشان مشوفش وشه تاني لا في حلم ولا في علم”.
مسكت القلم وإيدي كانت بترتعش غصب عني، بس كبريائي وعمايا خلوني أمضي وراقة ورا ورقة.. مضيت على المخالصة، ومضيت على المؤخر، ومضيت على قسيمة الطلاق اللي بتقطع أي خيط يربطني بيها تاني.
أول ما حطيت القلم، مشيرة قامت وقفت، لمّت ورقها وحطته في الشنطة بكل هدوء. وقبل ما تخرج من الباب، لفت وشها وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة شفقة وشماتة في نفس الوقت، وقالتلي بابتسامة باردة:
* “مبروك عليك الست الجديدة يا معتز.. مبروك عليك الشقا اللي هتشوفه، أنت وأمك. وافتكر الكلمة دي كويس: اللي يظلم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله.. أشوف وشك بخير يا طليقي”.
سابتني وخرجت، وأنا واقف مكاني حاسس بنغزة في قلبي، والورق اللي في إيدي حسيت فجأة إنه بقى تقيل.. قولت في بالي: “خلاص، غارت.. المهم دلوقتي ماسة وراحتها”. مكنتش أعرف إن في نفس اللحظة دي، في بيت أمي، ماسة كانت بدأت تستلم أول درس من حماتها…
رجعت البيت وأنا شايل هموم الدنيا وفرحان في نفس الوقت إني قفلت صفحة مشيرة خالص، وقولت خلاص كدة الدينا هتصفى لي. أول ما دخلت، لقيت الجو في البيت غريب ومشحون، مكنش هو ده الهدوء اللي كنت مستنيه.
أمي كانت قاعدة في الصالة، ووشها مقلوب، وأول ما شافتني دخلت، بدأت تبرطم وتشتكي من وجع رجليها وضهرها. الحقيقة اللي مكنتش عايز أشوفها بدأت تظهر؛ أمي مكنش هدفها تريح ماسة ولا حاجة، أمي لما لقت مشيرة مشيت والبيت البير اللي مبيخلصش ده مفيش حد يشيله، اتصدمت بالواقع.. المسؤولية كلها تقلت عليها، وهي صحتها على قدها ومش قادرة تقف على حوض ولا تكنس صالة. كان كل هدفها تجيب ماسة عشان تحلها محل مشيرة، وتتحول ماسة للخدامة الجديدة اللي تشيل عنها شقى البيت، ومكنتش عاملة حساب إن ماسة جاية تتدلع وتتستت.
على الناحية التانية، ماسة مكنتش هينة ولا غبية، كانت قاعدة في الأوضة وحاطة رجل على رجل، وعينيها على حاجة تانية خالص.. مكنش في دماغها لا خدمة أمي ولا البيت. أول ما دخلت عليها وقعدت جنبهما على السرير، لفت دراعها حواليا وقالتلي بنبرة كلها لؤم ودلع:
* “حمد الله على السلامة يا حبيبي.. كويس إنك خلصت من القصة دي وبقيت ليا لوحدي. بس قولي بقى يا معتز، إحنا هنفضل قاعدين في بيت العيلة ده لحد إمتى؟ أنا مبرتاحش هنا، والقعود مع مامتك بيجيبلي اكتئاب وهو ده اللي تعبني وتعب البيبي.”
بصيتلها باستغراب وقولتلها:
* “ماله بيت العيلة يا ماسة؟ ما البيت واسع وأهو أمي معاكي تشيل عنك.”
لوت بوزها وقالتلي بكل بجاحة:
* “تشيل عني إيه بس! دي من ساعة ما جيت وهي عمالة تلمحلي على المطبخ والغسيل.. اسمع يا معتز، أنت لازم تبيع نصيبك في البيت ده.. أيوة، خدهم كاش كدة وخلينا نعيش حياتنا صح! أنا محتاجة عربية صغيرة أتحرك بيها بدل البهدلة دي، ونشتري حتتين دهب حلوين كدة أتشرف بيهم قدام زمايلي في الشغل، ونخرج ونفسح الواد اللي جاي في بطني ده ونعيش في شقة لوحدنا بعيد عن خناق الحموات.. أنت مش قولتلي إنك عايش الحياة بالطول والعرض؟ وريني بقى!”
وقفت مكاني مذهول.. كلام ماسة صدمنا، وكلام أمي برة في الصالة كان شغال مبيموتش.. لقيت نفسي فجأة واقع بين مطرقة أمي اللي عايزة “خدامة” بديلة لمشيرة، وسندان ماسة اللي عايزة “تنفضني” وتبيعني نصيبي في ورث أبويا وبيت العيلة عشان تصرفه على الفسح والعربية والدهب! لأول مرة أحس إني بدأت أدخل في حيطة سد…
بقيت قاعد في وسط الأوضة باصص في الفراغ وكلام ماسة بيلف في دماغي زي السكاكين. تبيع نصيبك في بيت العيلة؟ عربية ودهب وخروجات؟! وأمي برة عمالة تزعق وتخبط في المواعين عشان تسمّعنا صوتها وتجبر ماسة تطلع لها. حسيت فجأة إن الحبل بدأ يتلف حوالين رقبتي، والجنة اللي كنت فاكر إني عشت فيها مع ماسة بدأت تتحول لجهنم.
قمت وقفت ونفخت بضيق وقولت لماسة بنبرة حادة لأول مرة:
* “بيع إيه وعربية إيه يا ماسة؟! أنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه؟ ده بيت العيلة، يعني ورث أبويا ومطرح أمي وإخواتي، أروح أقولهم بيعوني عشان أشتريلك دهب وعربية؟! وبعدين أنا لسه دافع لمشيرة دم قلبي ومخلص معاها عشان أفضى لكِ، المفروض تقفي جنبي مش تيجي تلوي دراعي أنتِ كمان!”
ماسة اتعدلت في قعدتها، والدلع اللي كان على وشها اختفى وفجأة ظهرت الملامح الحقيقية، وقالتلي ببرود مستفز:
* “جرى إيه يا معتز؟ هو أنا بقولك شحتني؟ أنا بآمن مستقبلي ومستقبل ابنك اللي جاي. وبعدين أنت من الأول قايل لي إنك ميسور وعيشتني في شهر العسل عيشة الملوك، ودلوقتي جايبني هنا في الفقر والخدمة وعايزني أسكت؟ لو مش هتقدر تعيشني في المستوى اللي وعدتني بيه، يبقى متلومنيش على أي رد فعل هعمله!”
سابتني وقامت رزعت باب الحمام وراها، وطلعت أنا الصالة وأنا روحي في مناخيري. أول ما أمي شافتني خارج لوحدي، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالتلي بغل:
* “أهو الباشا شرف! والست هانم بتاعتك فين؟ نايمة جوة ومستنياني أنا الكركوبة اللي مش قادرة أصلب طولي أطبخ لها وأغسل لها؟ أنا قولتلك هات الصبية تريحني وتشيل عني البيت اللي اتهد فوق دماغي بعد ما المفسودة مشيرة مشيت، مش تجيب لي واحدة تزيد همي همين!”
صوت أمي علّى، وماسة سمعتها وهي جوة، ففتحت الباب وخرجت وهي ساندة ضهرها وبتقول بصوت مسموع:
* “بقولك إيه يا طنط، أنا حامل وتعبانة ومش جاية من بيت أهلي عشان أكون خدامة لحد! اللي عنده صحة للبيت يقوم يعمل، وأنا معتز قايل لي إنك أنتِ اللي هتشيليني في عيونك.”
أمي أول ما سمعت كلمة “خدامة”، وشها احمر وعينيها طلعت لبرا وصوتت:
* “أنا يا بت أنتِ تقوليلي اللي عنده صحة يقوم يعمل؟! يا ميرتك السودا يا معتز في جوازتك الطين دي! دي جاية تتنطط علينا في بيتنا! ارميلها ياض ورقتها وخليها تغور مطرح ما جت، دي لا وش خدمة ولا وش عمار!”
وقفت في النص بينهم، دي تصرخ من ناحية ودي ترد عليها ببجاحة من ناحية ثانية. في اللحظة دي بالظبط، افتكرت مشيرة.. افتكرت لما كانت أمي بتزعق لها وتذلها، كانت بتسكت وتستحمل وتكتم في قلبها وتدخل المطبخ تعمل لقمة حلوة تهدي بيها النفوس. افتكرت إني عمري ما وقفت الموقف المقرف ده بسببها، وعمري ما اتهانت كرامتي بين مراتي وأمي بالشكل ده.
حطيت إيدي على راسي وبقيت أصرخ فيهم هما الاتنين بأعلى صوت عندي:
* “بسسسس! كفاية بقى! ارحموني.. أنا اتهديت!”
سِكتوا هما الاتنين وبصوا لي، بس نظراتهم مكنش فيها لا شفقة ولا حب.. أمي بتبص لي بإنكار وعايزة تفرض رأيها، وماسة بتبص لي بتحدي وسخرية وكأنها بتقولي “وريني هتعمل إيه”. لقيت نفسي فجأة بخسر كل حاجة: راحتي، وفلوسي اللي راحت لمشيرة، وبيت العيلة اللي بدأ يتوزن في سوق البيع والشراء، وصحتي اللي بدأت تتدمر في وسط الخناق ده كله…
نزلت إيدي من على راسي وبصيت لماسة وقولتلها بنبرة حاسمة:
* “بيع لبيت أبويا يا ماسة مش هبيع! أنا مش هخرب مطرح أمي وإخواتي عشان أشتريلك عربية ودهب.. انسي الموضوع ده خالص!”
أول ما الكلمة طلعت من بوقي، ماسة وشها اتقلب ١٨٠ درجة. ملامح الدلع والمسكنة اختفت تماماً وحل مكانها غضب وجبروت غريب. سابت الصالة ودخلت الأوضة، وبدأت تلم الهدوم في الشنط وهي بتصرخ بأعلى صوتها:
* “ورقتي تجيلي يا معتز! أنا مش هقعد في بيت الفقر والخدمة ده ثانية واحدة تانية.. يا تعيشني في المستوى اللي يقر عيني ويأمن مستقبلي أنا وابنك، يا كل واحد من طريق!”
أمي واقفة برة بتصوت وتشجعها على المشي، وماسة جوة بتجر الشنط وعينيها بتطق شرار. في اللحظة دي، الخوف عماني.. الخوف من الفضيحة التانية بعد مشيرة، والخوف على ابني اللي لسه مجاش للدنيا، والتعلق الأعمى اللي كان مالي قلبي ناحيتها خلاني أضعف وأركع قدام طلبها.
جريت عليها مسكت الشنطة من إيدها وقولت بقلة حيلة وانكسار:
* “خلاص.. خلاص يا ماسة، سيبي الشنط ومتمشيش.. اللي أنتِ عايزاه هيتنفذ.”
وبالفعل، من غير ما أفكر ولا أعمل حساب لبكرة، كلمت أخويا الكبير. عرضت عليه يشتري نصيبي في بيت العيلة، ولأني كنت مستعجل وتحت ضغط السكين اللي على رقبتي، وافقت أبيعهوله بأقل من تمنه بكتير.. بتراب الفلوس!
أخدت الفلوس من هنا، وجريت من فرحتي أشتريلها العربية اللي كانت بتتمناها، وجبتلها الدهب اللي يغطيها عشان ترضى عني وترجع تضحك في وشي تاني.
دارت الأيام، وعدت أربع شهور.. شهور كنت عايش فيها تحت رجلين ماسة بنفذلها كل اللي تطلبه، بشتغل ليل مع نهار في الغربة عشان أسدد الديون والالتزامات اللي بقت فوق كتافي بعد ما بعت ورثي وضيعت تحويشة عمري.
وفي يوم أسود، وأنا في الشغل، جالي التليفون اللي هدم اللي باقي من حياتي..
صوت غريب من المستشفى بيقولي:
* “حضرتك الأستاذ معتز؟ جوز المدام ماسة؟”
* “أيوة.. خير في إيه؟!”
* “المدام عملت حادثة فظيعة بالعربية على الطريق السريع.. العربية اتدمرت بالكامل، وحالة المدام حرجة جداً.”
وقعت من طولي، وسافرت للمستشفى وأنا مش شايف قدامي. لما وصلت، الدكتور خرج من غرفة العمليات وشه عليه علامات الأسى، وبصلي وقالي:
* “للأسف يا أستاذ معتز.. الضربة كانت قوية جداً على بطن المدام، والجنين مات في بطنها ونزلناه.. وبصراحة، المدام دلوقتي حالتها غير مستقرة بالمرة، وهي بين الحياة والموت في العناية المركزة، ادعيلها.”
وقفت في ممر المستشفى لوحدي، مفيش حد جنبي.. لا أمي اللي كانت بتشحنني، ولا ماسة اللي ضيعت كل حاجة عشانها وهي دلوقتي مش حاسة بيا.. وبقيت أبكي بحرقة وأنا بفتكر جملة مشيرة الأخيرة وهي خارجة من مكتب المحامي:
> “اللي يظلم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله!”
دخلت العناية المركزة ووقفت فوق راسها، ملامحها اللي كانت بتنطق بالدلع والبجاحة اختفت، وبقى مكانها خراطيم وأجهزة مغطية وشها وجسمها كله. الحادثة كانت فظيعة، والمستشفى كل شوية تطلب مني مبالغ خيالية.. عمليات، ونقل دم، وأدوية بالشيء الفلاني، وأنا مكنش معايا المليم.
لقيت نفسي مضطر أفتح درجها، وأخدت كل الدهب اللي لسه مجيبوش ليها من كام شهر عشان تتهنى بيا وتوافق تقعد في البلد.. الدهب اللي بسببه بعت ورثي ونصيبي في بيت العيلة. نزلت بعته بأقل من تمنه في السوق عشان كنت مستعجل وعايز الكاش بأي طريقة عشان أدفع للمستشفى، وقولت في بالي: “الفلوس تروح وتيجي.. المهم تعيش، المهم مابقاش لوحدي”.
بس أمر ربنا كان أسرع من كل فلوس الدنيا..
بعد يومين اتنين بس من بيع الدهب، وأنا قاعد على كراسي الممرات في المستشفى، دبلان ومهدود، لقيت دكتور العناية خارج ووشه في الأرض، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي:
* “البقاء لله يا أستاذ معتز.. شد حيلك، المدام جرى لها هبوط حاد في الدورة الدموية ومقدرناش ننقذها.”
أنا مابكيتش.. أنا صرخت صرخة مكتومة طلعت من جوة حشايا، وحسيت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *