سمعت جوزي بيخطط لم/وتي

سمعت جوزي بيخطط لموتي مع الدكتور قبل الولادة بساعات… ولما سمعت اسم عشيقته، عرفت إنهم مش عايزين يقت/لوني وبس، دول كانوا مخططين لحياتهم بعد جنازتي!
 
الليلة اللي قبل ولادتي، سمعت جوزي بيساوم على تمن حياتي.
 
قال بصوت واطي:
 
«اتنين مليون جنيه دلوقتي.»
 
وسكت لحظة، وبعدين قال:
 
«واتنين مليون كمان بعد ما كل حاجة تخلص.»
 
كنت نايمة في أوضة خاصة في مستشفى كبير في القاهرة، والحمل داخل على آخره.
 
النور كان واطي، وصوت جهاز متابعة الجنين بيطلع بهدوء جنب السرير.
 
وجوزي، آسر فؤاد، كان واقف في الصالة الصغيرة اللي جوه الجناح بيتكلم مع دكتور النساء والتوليد بتاعي، دكتور كريم الشاذلي.
 
كان المفروض إني أكون نايمة.
 
وده بالظبط اللي هما كانوا فاكرينه.
 
قبلها بساعة تقريبًا، آسر دخل عليَّ بكوباية عصير.
 
حطها قدامي، وباس راسي وقال بحنان مصطنع:
 
«اشربي يا حبيبتي، بكرة يوم طويل وهتحتاجي قوتك.»
 
بعد تسع سنين جواز، كنت حفظاه.
 
حفظت نبرة صوته.
 
حركات إيده.
 
حتى الطريقة اللي بيبص بيها لما يكون مخبي حاجة.
 
بصيت للكوباية.
 
لقيت حاجة غريبة مترسبة في القاع.
 
إيده كانت بتترعش وهو بيقلب العصير.
 
فقلت له إني مش قادرة أشرب دلوقتي، وإن معدتي مقلوبة.
 
دخلت الحمام، وفضيت الكوباية في الحوض.
 
رجعت السرير، وغمضت عيني.
 
وبعد حوالي عشرين دقيقة…
 
سمعتهم بيتكلموا.
 
صوت آسر كان هادي جدًا.
 
أهدى من الطبيعي.
 
قال:
 
«المهم يا دكتور إن الموضوع يبان كأنه مضاعفات طبيعية للولادة.»
 
اتجمدت مكاني.
 
دكتور كريم سكت شوية، وبعدين قال:
 
«حضرتك تقصد إيه؟»
 
رد آسر:
 
«نزيف… عدوى… أي حاجة. المهم إنها ما تخرجش من أوضة العمليات وهي عايشة.»
 
قلبي كان بيخبط في صدري بعنف.
 
أنا سلمى عبد الرحمن.
 
مراتي.
 
أنا اللي كان بيتكلم عن موتي بكل هدوء.
 
الدكتور قال بصوت متردد:
 
«بس يا أستاذ آسر… الكلام ده خطير جدًا.»
 
ضحك آسر ضحكة قصيرة وقال:
 
«وعشان كده أنا دافع أربعة مليون جنيه.»
 
سكت الدكتور.
 
وبعدين سأله:
 
«وبعدها؟»
 
آسر رد بمنتهى البرود:
 
«بعد الدفنة، كل حاجة هتكون خلصت.»
 
إيدي اتقبضت على الملاية.
 
كنت حاسة إني هصرخ.
 
لكن حاجة جوايا قالتلي:
 
اسكتي… واسمعي.
 
لأن اللي هسمعه ممكن يكون هو الحاجة الوحيدة اللي تنقذ حياتي.
 
وبعدين قال آسر الجملة اللي قلبت كل حاجة.
 
«خصوصًا إن منة بقالها خمس شهور حامل.»
 
فتحت عيني سنة صغيرة.
 
منة؟!
 
منة كانت واحدة من موظفات الشركة.
 
الست اللي كان بيقول إنها مجرد مديرة تسويق.
 
الست اللي كانت بتيجي بيتنا كتير.
 
واللي من شهرين، وهي بتضحك، حطت إيدها على بطني وقالتلي:
 
«ربنا يقومك بالسلامة يا سلمى… ويخلي البيبي ليكي.»
 
طلعت هي نفسها حامل من جوزي!
 
سمعت آسر بيقول:
 
«أنا تعبت من إخفائها. بعد موت سلمى، منة هتعيش هنا.»
 
هنا.
 
في بيتي.
 
وبعدين كمل:
 
«والفلوس كلها هتبقى تحت إيدي.»
 
أنا كنت أملك حصة كبيرة في شركة أبويا للمقاولات والتطوير العقاري.
 
بعد وفاة والدي، ورثت أسهم وأملاك قيمتها أكتر من مئتي مليون جنيه.
 
آسر طول السنين دي كان عايش على خير الشركة.
 
بيسافر.
 
بيركب عربيات غالية.
 
وبيتصرف كأنه صاحب كل حاجة.
 
لكن الحقيقة؟
 
ولا جنيه من اللي باسمه كان ملكه بالكامل.
 
ولو أنا مت…
 
خصوصًا لو البيبي كمان حصل له حاجة…
 
التركة كانت هتدخل في مسار مختلف تمامًا.
 
وده كان سبب إنهم مستعجلين.
 
سمعت الدكتور يقول:
 
«بس لو حصلت وفاة بعد الولادة مباشرة، أهلها ممكن يطلبوا تحقيق.»
 
آسر رد بثقة:
 
«لو التقرير الطبي قال إنها مضاعفات، محدش هيشك في حاجة.»
 
ساعتها فهمت.
 
دي مش خيانة.
 
دي مش مجرد علاقة محرمة.
 
دول كانوا مخططين لقت/لي.
 
وبهدوء شديد، مددت إيدي تحت المخدة.
 
تليفوني كان هناك.
 
فتحت تسجيل الصوت من غير ما أنور الشاشة.
 
وسبت الموبايل يسجل.
 
فضلت أسمعهم حوالي ربع ساعة.
 
سجلت كل حاجة.
 
الفلوس.
 
الخطة.
 
الدكتور.
 
منة.
 
البيت.
 
حتى أوضة البيبي اللي كانوا مخططين يغيروها عشان تبقى أوضة بنت منة.
 
لما آسر قال:
 
«بعد ما الدنيا تهدى، منة هتنقل هنا.»
 
حسيت إن نفسي اتقطع.
 
الأوضة اللي قضيت شهور أختار ألوانها.
 
السرير الصغير اللي اشتريته بإيدي.
 
الهدوم اللي كنت برتبها كل ليلة.
 
كل ده…
 
كانوا بيجهزوه لطفلة واحدة تانية.
 
بعد ما يدفنوني.
 
وبعد ما يخلصوا من ابني.
 
لما خلصوا كلام، سمعت باب الصالة بيتقفل.
 
بعدها بدقايق، دخل آسر الأوضة.
 
قعد جنبي.
 
مسح على شعري.
 
وباس جبيني.
 
وقال:
 
«نامي يا حبيبتي… بكرة حياتنا كلها هتتغير.»
 
كنت مغمضة عيني.
 
لكن جوايا كنت بقول:
 
أيوه يا آسر… حياتنا هتتغير فعلًا. بس مش بالطريقة اللي إنت فاكرها.
 
أول ما دخل الحمام، فتحت تليفوني.
 
إيدي كانت بتترعش.
 
لكن عقلي كان مركز بشكل غريب.
 
بعت التسجيل لأخويا محمود.
 
وبعته لمحامية العيلة الأستاذة نهى منصور.
 
وكمان رفعته على حساب تخزين سري محدش يعرفه.
 
وكتبت لمحمود:
 
«لو جرالي أي حاجة أنا أو البيبي بكرة، التسجيل ده يروح للشرطة فورًا. ومحدش يثق في أي حد جوه المستشفى قبل ما تتأكدوا من هويته.»
 
محمود اتصل بيا فورًا.
 
قفلت المكالمة.
 
آسر كان لسه قريب مني.
 
بعت له رسالة:
 
«ماتجيش دلوقتي. ماتخليهمش يحسوا إننا عرفنا. كلم نهى وخليها تأمن كل حاجة قانونيًا قبل العملية.»
 
بعدها بدقايق، رد عليَّ:
 
«فاهم. ومهما حصل، ماتاكليش ولا تشربي أي حاجة آسر يديهالك.»
 
مسحت الرسالة.
 
وفي الصبح…
 
تصرفت كأني ماعرفتش أي حاجة.
 
آسر دخل عليَّ ومعاه بوكيه ورد أبيض.
 
وكان عامل نفسه الزوج المثالي.
 
حتى إنه جاب كاميرا صغيرة وقال:
 
«عايز أصور اللحظات دي… أول يوم لينا كأب وأم.»
 
كنت على وشك أضحك.
 
أب وأم؟
 
هو كان بيخطط يدفن الأم قبل ما يشوف ابنه.
 
الساعة كانت حوالي سبعة ونص الصبح لما دخل دكتور كريم.
 
بص في التحاليل وقال:
 
«سلمى، الضغط عندك مش مستقر أوي. الأفضل نسرّع الولادة.»
 
بصيت له في عينه.
 
وقلت:
 
«يعني في خطورة؟»
 
ابتسم وقال:
 
«كل ولادة ليها مخاطر، بس إنتِ في إيد أمينة.»
 
ابتسمت له.
 
وقلت:
 
«الحمد لله.»
 
بعدها دخلت ممرضة اسمها سارة ومعاها ورق الإمضاء.
 
وأنا بمضي، لاحظت حاجة.
 
اسم دكتور التخدير المكتوب في الورق كان مختلف عن الاسم اللي اتقال لي قبل كده.
 
سألت:
 
«مين دكتور التخدير اللي هيكون معايا؟»
 
الممرضة اتوترت.
 
وقالت:
 
«الدكتور مرتب كل حاجة يا مدام.»
 
بصيت لها:
 
«اسمه إيه؟»
 
الممرضة بصت ناحية دكتور كريم.
 
نظرة صغيرة جدًا…
 
بس أنا شفتها.
 
آسر تدخل بسرعة:
 
«سلمى، بلاش توتر. ثقي في الدكتور.»
 
بصيت له.
 
كان لسه لابس دبلة جوازنا.
 
الدبلة اللي كنت فاكرة يوم من الأيام إنها رمز للأمان.
 
وساعتها فهمت حاجة:
 
أكتر كلمة بيستخدمها الخاين قبل الغدر هي: ثقي فيَّ.
 
وقعت على الورق.
 
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن قبلها بخمس عشرة دقيقة…
 
كنت وقعت على أوراق تانية.
 
محاميتي كانت رتبت إجراءات قانونية عاجلة.
 
اتجمّد وصول آسر لبعض حساباتي وأصولي.
 
واتنقلت صلاحية اتخاذ أي قرار طبي طارئ لأخويا محمود.
 
والمستشفى اتبلغ رسميًا إن أي تغيير في الدواء أو العملية أو الطاقم الطبي لازم يتراجع من دكتور مستقل تاني.
 
آسر ماكانش يعرف.
 
ودكتور كريم ماكانش يعرف.
 
لكن أول ما خرجت من الأوضة واتجهت ناحية غرفة العمليات…
 
كان محمود واقف في آخر الطرقة.
 
ومعاه راجلين.
 
واحد منهم محامي.
 
والتاني طبيب مستقل.
 
وفوق ده كله…
 
كان فيه محقق من الشرطة واقف بعيد.
 
وش آسر اتغير فورًا.
 
قال:
 
«محمود؟! إنت بتعمل إيه هنا؟»
 
بصيت له ببراءة وقلت:
 
«يمكن جه يشوف أخته وهي بتولد.»
 
آسر بلع ريقه.
 
دكتور كريم وقف مكانه.
 
وفجأة، موظف من المستشفى جري علينا ومعاه ملف أحمر.
 
وقال:
 
«دكتور… استنى لحظة.»
 
فتح دكتور كريم الملف.
 
وفجأة وشه اصفر.
 
آسر سأله:
 
«في إيه؟»
 
الدكتور ما ردش.
 
الموظف قال:
 
«من اللحظة دي، أي دواء للمريضة سلمى لازم يتراجع ويتوافق عليه من الفريق الطبي التاني.»
 
آسر بص لي.
 
وأنا…
 
ابتسمت.
 
لكن قبل ما حد يتكلم، خرجت ممرضة تانية من غرفة التحضير وهي ماسكة كيس دواء شفاف.
 
وقالت باستغراب:
 
«دكتور كريم… هو ده الدواء اللي حضرتك طلبت نحطه في المحلول بتاع مدام سلمى؟»
 
الممر كله سكت.
 
الدكتور المستقل أخد الكيس من إيدها.
 
قرأ اسمه.
 
وبعدين رفع عينه وبص للدكتور كريم.
 
وقال:
 
«ممكن أعرف ليه الدواء ده متجهز لمريضة مفيش عندها أي سبب طبي يستدعي استخدامه؟»
 
دكتور كريم اتجمد مكانه.
 
وآسر رجع خطوة لورا.
 
وأنا وقتها عرفت إن خطتهم…
 
وقعت.
 
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
 
إن الكيس ده لم يكن أخطر حاجة اكتشفناها.
 
لأن محمود كان لسه ماسك في إيده دليل تاني أخطر بكتير…
 
دليل كان كفيل إنه يوقع آسر والدكتور كريم ومنة كلهم.
 
الجزء الثاني — الكيس اللي كشف خيانتهم كان مجرد البداية… لأن أخويا كان ماسك دليل يقدر يودّيهم كلهم السجن!
 
الدكتور كريم فضل واقف مكانه، مش قادر ينطق.
 
الدكتور المستقل كان ماسك كيس الدواء في إيده، وبيقرأ اسمه مرة واتنين.
 
أما آسر…
 
فكان بيبص لي كأنه لأول مرة يشوفني.
 
مش مراته اللي كان فاكرها ضعيفة.
 
ولا الست اللي كان فاكر إن بكرة هيخلص منها.
 
كان بيبص لواحدة قلبت خطته كلها في ليلة واحدة.
 
قال بعصبية:
 
«إيه اللي بيحصل هنا؟!»
 
محمود تقدم خطوة.
 
وقال بهدوء:
 
«ده السؤال اللي المفروض تسأله للدكتور اللي كنت متفق معاه يق/تل أختي.»
 
وش آسر اصفر.
 
رد بسرعة:
 
«إنت مجنون؟! بتتهمني بإيه؟»
 
محمود ابتسم.
 
«لسه ما اتهمتكش بحاجة.»
 
ثم أخرج موبايله.
 
«بس ممكن نسمع سوا اللي اتقال الساعة واحدة وسبعة وأربعين دقيقة بالليل.»
 
تجمد آسر.
 
الدكتور كريم رفع عينيه لمحمود.
 
وبعدين بص لي.
 
أنا ما اتكلمتش.
 
محمود شغل التسجيل.
 
وصوت آسر ملأ الممر:
 
«المهم إن سلمى ما تخرجش من أوضة العمليات وهي عايشة.»
 
سكت كل شيء.
 
حتى صوت الأجهزة اللي حوالينا حسيت إنه اختفى.
 
آسر حاول يخطف الموبايل.
 
لكن المحقق مسك إيده.
 
وقال:
 
«إهدى.»
 
صرخ آسر:
 
«التسجيل ده مفبرك!»
 
بصيت له وقلت:
 
«إنت بنفسك قلت الكلام ده.»
 
اتحول وشه للغضب.
 
«سلمى… إنتِ كنتِ سامعانا؟»
 
ابتسمت.
 
«من أول كلمة.»
 
الدكتور كريم بدأ يتعرق.
 
قال:
 
«أنا… أنا كنت بحاول أمنع الموضوع.»
 
محمود ضحك بسخرية.
 
«عشان كده حضرت الدواء؟»
 
الدكتور سكت.
 
المحقق طلب من الممرضة تسلم كيس الدواء، واتحفظ عليه كدليل.
 
لكن محمود ما اكتفاش بكده.
 
طلع ظرف بني من شنطته.
 
وقال:
 
«لسه فيه حاجة أهم.»
 
بصيت له باستغراب.
 
هو كان مخبي عليَّ حاجة.
 
فتح الظرف.
 
وطلع منه صور مطبوعة.
 
صور لتحويلات بنكية.
 
رسائل واتساب.
 
وتسجيلات مكالمات.
 
قال:
 
«الفلوس بدأت تتحول للدكتور من أسبوعين.»
 
آسر شهق:
 
«مستحيل!»
 
محمود حط أول ورقة قدامه.
 
«دي أول دفعة.»
 
وبعدين حط التانية.
 
«ودي التانية.»
 
ثم نظر للدكتور كريم.
 
«والباقي كان هيتحول بعد وفاة أختي.»
 
الدكتور انهار على الكرسي.
 
أما آسر فبدأ يلف بعينيه في المكان كأنه بيدور على مخرج.
 
ثم قال فجأة:
 
«منة!»
 
بصيت له.
 
«مالها منة؟»
 
سكت.
 
لكن سكوتُه كان إجابة.
 
محمود قرب منه وقال:
 
«إنت فاكر إننا ما نعرفش مكانها؟»
 
آسر بص له.
 
محمود قال:
 
«الشرطة راحت لها من بدري.»
 
اتسعت عينا آسر.
 
وفي اللحظة دي رن موبايل المحقق.
 
رد.
 
وسمعنا صوته وهو بيقول:
 
«تمام… خدوها على القسم.»
 
قفل المكالمة.
 
وبص لنا.
 
«منة اتقبض عليها.»
 
حسيت برعشة في جسمي.
 
مش فرح.
 
ولا شماتة.
 
بس إحساس إن الكابوس اللي عشته طول الليل بدأ يتحول لحقيقة أمام عيني.
 
لكن المحقق قال جملة خلتني أقلق:
 
«بس فيه مشكلة.»
 
بصيت له.
 
«مشكلة إيه؟»
 
قال:
 
«منة قالت إن آسر ماكانش صاحب الفكرة.»
 
سكتُّ.
 
محمود بص للمحقق.
 
«يعني إيه؟»
 
قال:
 
«قالت إن فيه شخص تالت هو اللي خطط لكل حاجة.»
 
حسيت ببرودة في إيدي.
 
شخص تالت؟
 
آسر كان واقف ساكت.
 
ولأول مرة منذ بداية الليلة…
 
ظهر على وشه شيء يشبه الخوف الحقيقي.
 
بصيت له.
 
وقلت:
 
«مين؟»
 
ما ردش.
 
المحقق قال:
 
«منة ذكرت اسم شخص قريب جدًا من العيلة.»
 
محمود قال:
 
«مين؟»
 
المحقق فتح الملف.
 
وبص في الورقة.
 
ثم رفع عينه وقال:
 
«عم سلمى.»
 
اتجمدت.
 
عمي؟
 
أخو أبويا؟
 
الرجل اللي حضر فرحي.
 
الرجل اللي وقف جنبي بعد وفاة والدي.
 
الرجل اللي كنت بعتبره أقرب شخص ليا من عيلة أبويا؟
 
قلت:
 
«مستحيل.»
 
المحقق قال:
 
«إحنا لسه بنحقق. لكن عندنا تحويلات مالية، ومكالمات بينه وبين آسر، وكمان فيه مستندات تخص أسهم الشركة.»
 
محمود مسك إيدي.
 
«سلمى، لازم تهدي.»
 
لكن عقلي كان بيجري بسرعة.
 
فجأة افتكرت حاجة.
 
قبل أسبوعين، عمي اتصل بيا وقال:
 
«إنتِ لو حصل لك أي حاجة، الشركة لازم تفضل جوه العيلة.»
 
وقتها ضحكت وقلت له:
 
«بعد الشر عليَّ يا عمي.»
 
لكنه ما ضحكش.
 
دلوقتي…
 
فهمت ليه.
 
وقبل ما أستوعب كل حاجة، بدأت أحس بألم شديد في بطني.
 
الممرضة قربت مني بسرعة.
 
«مدام سلمى، لازم ندخل العمليات فورًا.»
 
بصيت لمحمود.
 
وبعدين للدكتور المستقل.
 
وسألت:
 
«والبيبي؟»
 
الدكتور ابتسم:
 
«نبضه كويس. لكن لازم نتحرك بسرعة.»
 
اتجهت ناحية غرفة العمليات.
 
آسر حاول يقرب مني.
 
لكن المحقق منعه.
 
وقبل ما باب غرفة العمليات يتقفل، بصيت له للمرة الأخيرة.
 
قلت:
 
«كنت فاكر إنك هتدفني وتعيش مكاني.»
 
سكت.
 
قلت:
 
«بس إنت نسيت حاجة يا آسر.»
 
رفع عينيه.
 
«أنا مش الست اللي كنت تعرفها من تسع سنين.»
 
وبعدين دخلت غرفة العمليات.
 
الباب اتقفل.
 
وبعد ساعات…
 
سمعت أول صوت في حياتي كنت مستعدة أضحي بأي حاجة عشانه.
 
صوت ابني وهو بيعيط.
 
دموعي نزلت من غير ما أحس.
 
الدكتور قال:
 
«مبروك يا مدام سلمى… ولد.»
 
غمضت عيني.
 
وقلت في سري:
 
«الحمد لله.»
 
لكن وأنا لسه بحاول أستوعب إن ابني عاش…
 
دخل محمود الغرفة.
 
كان وشه متغير.
 
قرب مني وقال:
 
«سلمى… لازم تعرفي حاجة.»
 
بصيت له.
 
قال:
 
«الشرطة فتشت بيت آسر.»
 
سكت لحظة.
 
«ولقوا حاجة في مكتبك القديم.»
 
قلت:
 
«إيه؟»
 
طلع موبايله.
 
وفتح صورة.
 
كانت صورة وصية أبي.
 
لكن تحتها كان فيه مستند تاني.
 
مستند لم أشاهده في حياتي.
 
قال محمود:
 
«أبوكي كان عارف إن عمك ممكن يحاول ياخد الشركة.»
 
اتسعت عيناي.
 
ثم قال الجملة التي جعلتني أنسى ألم الولادة كله:
 
«وأبوكي سايب لك رسالة… بس كان كاتب عليها: ما تفتحيهاش غير لو آسر حاول يؤذيك.»
 
نظرت إلى الظرف في يد أخي.
 
كان عليه خط أبي.
 
والأغرب…
 
أن الظرف كان مكتوبًا عليه اسمي.
 
وتحت اسمي أربع كلمات فقط:
 
«الحقيقة عن زوجك…»
 
الجزء الثالث والأخير — الرسالة اللي أبويا سابهالي كشفت الحقيقة كلها… لكن المفاجأة إن آسر ماكانش الوحيد اللي خسر كل حاجة!
 
بصيت للظرف اللي في إيد محمود، وقلبي كان بيدق بسرعة.
 
مد إيده وادهولي.
 
فضلت أبص لخط أبويا كام ثانية.
 
نفس الخط اللي كنت بشوفه على ورق الشركة، وعلى ملاحظاته القديمة، وعلى الكروت اللي كان بيحطهالي في شنطتي وأنا مسافرة.
 
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
 
جواه ورقة واحدة.
 
بدأت أقرأ:
 
> «بنتي سلمى،
 
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى خوفي اتحقق.
 
آسر ما اتجوزكيش عشان بيحبك زي ما كنتِ فاكرة.
 
أنا اكتشفت من أول سنة جواز إن فيه ديون وأموال بتخرج من الشركة من غير علمك.
 
واجهته، لكنه أقسم لي إنه هيتغير.
 
وأنا صدقته… أو يمكن كنت عايز أصدق.»
 
وقفت عن القراءة.
 
محمود قال:
 
«كملي.»
 
رجعت للورقة.
 
> «لكن فيه حاجة أخطر.
 
عمك مش مجرد شخص طمعان في الشركة.
 
هو اللي ساعد آسر يدخل في صفقات مشبوهة.
 
وكان هدفهم إن آسر يطلقك أو يسيطر على أموالك بطريقة قانونية.
 
ولما فشلوا، بدأوا يفكروا في طريقة تانية.»
 
إيدي بدأت تبرد.
 
كملت.
 
> «أنا سجلت بعض اجتماعاتهم، وحطيت النسخ الأصلية في خزنة خارج الشركة.
 
لو حصل لي أي شيء، محمود يعرف مكانها.
 
لكن لو إنتِ اللي في خطر، ما تثقيش في أي حد بسهولة.
 
حتى الشخص اللي هيقول لك إنه بيحميك.»
 
رفعت عيني لمحمود.
 
«إنت كنت تعرف؟»
 
هز رأسه.
 
«أبويا قال لي أعرف مكان الخزنة، بس ماقاليش محتواها.»
 
سألته:
 
«فين؟»
 
قال:
 
«في مكتب قديم لأبوكي في وسط البلد.»
 
في اليوم التالي، خرجت من المستشفى وأنا شايلة ابني.
 
آسر كان لسه في الحجز.
 
الدكتور كريم اعترف بجزء من اللي حصل، وبدأ التحقيق معاه.
 
ومنة كمان بدأت تتكلم.
 
لكن أكبر مفاجأة حصلت بعد يومين.
 
الشرطة راحت لعمي.
 
وفي البداية أنكر كل حاجة.
 
لكن لما واجهوه بالتسجيلات والتحويلات…
 
انهار.
 
واعترف.
 
اعترف إن آسر كان عليه ديون ضخمة.
 
وإنه كان بيستغل فلوس الشركة من ورايا.
 
وإنه لما أبويا اكتشف الموضوع، هددهم إنه هيبلغ عنهم.
 
وبعد وفاة أبويا، بدأوا يخططوا للسيطرة على كل حاجة.
 
أما موضوع قت/لي؟
 
عمي قال جملة ماقدرتش أنساها:
 
«آسر هو اللي قال إن موتها أسهل من انتظار إنها تكتشف كل حاجة.»
 
وقتها فهمت إن الرجل اللي عشت معاه تسع سنين…
 
كان مستعد يقت/لني عشان فلوس.
 
والمرأة اللي كنت بعتبرها واحدة من معارفنا…
 
كانت مستعدة تبني بيتها فوق قبري.
 
لكن القصة ما انتهتش عند كده.
 
بعد أسبوع، خرجت من المستشفى ورجعت بيتي.
 
وقفت قدام أوضة البيبي.
 
لمست السرير الصغير.
 
وبعدين بصيت للبيت كله.
 
كل ركن فيه كان مليان ذكريات.
 
لكن بدل ما أسيبه لهم…
 
قررت أبدأ من جديد.
 
بعت البيت.
 
وسددت كل الالتزامات اللي اكتشفتها.
 
وبمساعدة محمود والمحامية نهى، رفعت دعاوى على كل شخص شارك في محاولة ق/تلي أو استغل أموال الشركة.
 
أما أسهمي…
 
فوضعت جزءًا كبيرًا منها في صندوق باسم ابني.
 
وجزءًا آخر خصصته لمؤسسة خيرية لمساعدة الأمهات اللي بيتعرضوا للعنف والاستغلال.
 
بعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم.
 
آسر اتدان بالتخطيط لقت/لي والاحتيال المالي.
 
الدكتور كريم اتعاقب بسبب مشاركته في الخطة ومحاولته التلاعب بالإجراءات الطبية.
 
عمي اتحاسب على التلاعب المالي والتآمر.
 
أما منة…
 
فبعد التحقيقات، اتضح إنها كانت تعرف جزءًا من الخطة، لكنها لما عرفت إن الموضوع وصل لمحاولة ق/تل فعلية، حاولت تتراجع.
 
وده ما لغاش مسؤوليتها، لكنها حصلت على حكم أخف بعد تعاونها مع التحقيق.
 
وفي يوم من الأيام، زرت آسر في السجن.
 
كان أول لقاء بينا بعد كل اللي حصل.
 
قعد قدامي ساكت.
 
وبعدين قال:
 
«أنا آسف.»
 
بصيت له طويلًا.
 
وقلت:
 
«أنا مش جاية أسمع اعتذارك.»
 
خفض عينيه.
 
قلت:
 
«أنا جاية أقول لك حاجة واحدة.»
 
رفع عينه.
 
«أنت كنت فاكر إنك لما تق/تلني هتاخد فلوسي وبيتي وحياتي.»
 
سكت.
 
«لكن أكتر حاجة خسرتها مش الفلوس.»
 
سألني:
 
«إيه؟»
 
قلت:
 
«ثقتي فيك.»
 
وقفت.
 
«وأنا عمري ما هرجع أديك فرصة تانية تاخدها مني.»
 
خرجت من السجن.
 
ركبت عربيتي.
 
وفي الطريق، اتصل محمود.
 
قال:
 
«البيبي عامل إيه؟»
 
ضحكت.
 
«نايم.»
 
قال:
 
«وإنتِ؟»
 
بصيت من الشباك.
 
ولأول مرة من شهور، حسيت إني فعلًا حرة.
 
قلت:
 
«أنا كمان… أخيرًا نمت وأنا مطمنة.»
 
وبعد ما قفلت المكالمة، بصيت في المرآة.
 
وشفت الست اللي كانت من كام شهر فاكرة إن حياتها انتهت.
 
لكنها ما انتهتش.
 
هي بس بدأت من جديد.
 
أنا خسرت زوجًا خائنًا، وبيتًا مليئًا بالذكريات، وأشخاصًا كنت أظنهم عائلتي.
 
لكن كسبت ابني.
 
وكسبت نفسي.
 
والأهم…
 
اكتشفت إن أحيانًا أخطر لحظة في حياة الإنسان هي اللحظة اللي يفتكر فيها إنه خلاص انتهى.
 
لأنها ممكن تكون بالضبط…
 
لحظة البداية الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *