حماتي قالت
قربت منه بهدوء، رفعت إزاز الكوباية المكسورة من الأرض وحطيتها في القمامة، وقلت له بصوت خالي من أي تشفي:
—أمك مش زعلانة عشان الشقة ضاعت منك يا خالد.. أمك زعلانة عشان السيطرة ضاعت منها. زعلانة لأنها اكتشفت إن الكلمة الأولى والأخيرة في البيت ده بقت للعدل، مش لأهوائها. لو أنت عايز تفضل عايش في دور الضحية اللي بين أمه ومراته، دي مشكلتك.. بس لو عايز تكون راجل بجد، لازم تفهم إن بيتك ومرتك هما الأولوية، وإن الحق ما يزعلش حد إلا إذا كان الشخص ده متعود على الباطل.
رفع راسه وبص لي بأسى:
—أنتِ قاسية قوي يا سارة.. ما كُنتش أعرف إن جواكي كل الجفاف ده.
—الجفاف ده أنت اللي زرعته جوايا يا خالد.. —رديت وأنا بتجه لأوضتي—. زرعته كل مرة كنت بشوفك فيها بتبدي أهلك على راحتي، وكل مرة كنت بطلب فيها حقي وتبص لي كإني بطمع في حاجة مش ملكي. أنا ما بقيتش قاسية.. أنا بس بقيت حقيقية.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، بس ما قفلتهوش بالمفتاح المرة دي. سبته موارب.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت حركة غريبة في المطبخ. طلعت لقيت خالد واقف، بيعمل قهوة، شكله ما نامش طول الليل، بس ملامحه كانت أهدى بكثير من العاصفة بتاعة مبارح.
أول ما شافني، حط فنجان القهوة على الترابيزة وبص لي بنظرة جديدة تماماً.. نظرة واحد بدأ يستوعب الحجم الحقيقي للمأزق اللي حط نفسه فيه، وواضح إنه أدرك إن طريق الرجوع للوراء اتقفل بالأقفال والصاج.
قال بنبرة خالية من الهجوم:
—أنا اتصلت بالمحامي الأستاذ محمود الصبح.. وطلبت منه يجهز ورقة بتصفية كل المعاملات المالية المتبقية بيننا، عشان كل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه بالمليم.
بصيت له باهتمام، وقلت:
—وكلام أمك مبارح؟
اتنفس بعمق وقال:
—أمي على راسي.. بس بيتي وحياتي خط أحمر. أنا غلطت لما سمحت لها تتدخل ولما فكرت في حاجتك بأسلوب مش أسلوبي. الشقة بتاعتك، والتلاجة بتاعتك.. واللي عايز يعيش معانا بالأصول أهلاً بيه، واللي مش عاجبه الحق.. يبعد لحد ما يعقل.
الكلمات دي كانت أول خطوة في طريق طويل وصعب، طريق التغيير الحقيقي. بس أنا ما انخدعتش بالسرعة دي.. لأن الاختبارات الحقيقية كانت لسه جاية في السكة، وحماتي مش من النوع اللي يسلم بالهزيمة بسهولة كده.
وفعلاً.. ما عدتش 24 ساعة، لحد ما جرس الباب رن الضهر.. وكانت المفاجأة اللي ما حدش يتوقعها واقفة على العتبة!