جوزي كان بقاله 3 شهور “في ألمانيا”… لحد ما شفته في جنازة والد زبونتي.
في يوم الإجازة رحت أقدم واجب العزا في والد واحدة من زباني.
وهناك، في الصف المخصص لأهل المتوفى، شفت جوزي واقف.
كان حاطط وردة بيضا على صدره، وماسك من وسطها ست تانية.
نفس الست اللي كانت مأجراني.
مريم كانت عينيها ورمانة من كتر العياط. أول ما شافتني، قربت مني على طول.
— مدام نادية، شكراً إنك جيتي.
بعدين مسكت إيد الراجل اللي كان واقف جنبها.
— ده خطيبي، كريم. كنا متفقين نخطب الشهر الجاي، بس ياشرت كان نفسي بابا يستنى لحد ما يفرح بينا.
جوزي جمد في مكانه.
ودراعه اللي كان حوالين وسط مريم اتشد.
عنينا جت في عينين بعض.
لحظات بسيطة.
بعدها كريم هز راسه بمنتهى الأدب وقال:
— مدام نادية.
وكأن الراجل ده مش هو نفسه اللي كان لسه باعتلي إمبارح بالليل من “ألمانيا”، بيشتكي من البرد ويطلب مني أبعتله شوية هدوم تقيلة.
مريم بصت ورانا وقالت:
— أمال فين جوزك؟ لسه مابرجعش من سفرية شغل؟
بصيت للوردة البيضا اللي على صدر كريم.
وابتسمت.
— جوزي مات من سنة.
وش كريم اتخطف ودمه هرب.
— وبفكر اليومين دول أتجوز تاني.
مريم برقت وسابت دراعه بسرعة وكأنها اتلسعت.
— يا لهوي… أنا آسفة جداً! أنا كنت فاكرة إن…
— ولا يهمك، خلاص الموضوع عدى.
لفت إيدي واديتها ظرف العزا.
— البقاء لله يا مريم في والدك، شدة وتزول.
استلمت الظرف بإيديها الاتنين.
— شكراً إنك جيتي بالرغم من إنه يوم إجازتك.
— ده الواجب يا حبيبتي.
أخدت وردة بيضا من واحدة من الواقفين، مشيت لحد صورة المرحوم وهزيت راسي.
ولما لفيت، كان كريم رجع يمثل دوره المعتاد.
عمال بيساعد مريم في استقبال الناس.
والدة مريم مسكت إيدي وقالت:
— كل حاجة حصلت بسرعة أوي… مريم كانت هتقع من طولها، الحمد لله إن كريم كان جنبا.
الست بصت لجوزي بنظرة كلها امتنان زي ما تكون أمه.
— ده بقاله 3 شهور بيقضي في المستشفى وقت أكتـر مني! هو اللي بيدور على الدكاترة، وينهي الورق، ويبات بالمستشفى… الابن نفسه مكنش هيعمل كده.
3 شهور!
صوابعي اتكلبت بالراحة على شنطتي.
من 3 شهور، كريم خرج من بيتنا ومعه شنطة سفره.
“فيه مشكلة كبيرة أوي في مشروع فرانكفورت، ومافيش حد هيعرف يحلها غيري.”
أنا بنفسي اللي قويتله القمصان.
وحضرتله أدوية المعدة.
حتى اشتريتله وصلتين للكهرباء عشان لو واحدة ضاعت منه.
في أول كام أسبوع، كنت بحاول أكلمه فيديو.
كان دايماً “داخل اجتماع” أو “لسه صاحي من النوم”.
بعدها بدأ يتعصب عليا:
“يا نادية! بلاش مكالمات في أي وقت بقى، فرق التوقيت هيموتني!”
وأنا صدقته.
ده أنا الأسبوع اللي فات بس كنت بدافع عنه قدام أمي!
“يا أمي ده لوحده في بلاد غربة، أكيد الموضوع مش سهل عليه برضه.”
مريم مسحت دموعها وقالت:
— الأسبوعين الأخيرين بابا مكنش بيعرف ينام وهو ساند ضهره، كريم كان بيقعد جنبه طول الليل.
جوزي حط إيده بالراحة على دراع مريم وقالها:
— أنتِ تعبتِ أوي يا مريم، ادخلي ارتاحي جوه.
— أنا كويسة.
اتسندت عليه شوية وقالت:
— لولا وجودك جنبي، مكنتش عارفة هتحمل كل ده إزاي.
بعدين بصتلي وقالت:
— مدام نادية، أنتِ كمان لازم تشوفي حياتك وتتجوزي. لما يكون في حياتك حد مهتم بيكي، بيسأل أكلتِ ولا لأ، سقعانة ولا تعبانة… ده بيفرق أوي في الحياة.
هزيت راسي وقلت:
— عندك حق.
ناس جديدة وصلت لتقديم العزا.
جري كريم عشان يستقبلهم.
أخد الفراشة والورود، وشكرهم، ونادى على راجل كبير بـ “يا عمي”، وسمع الراجل وهو بيطبطب على كتفه ويقوله:
— الحاج الله يرحمه مكنش غلطان فيك، أهو قدر يمشي وهو مطمن إن مريم في إيد أمينة.
أنا كنت واقفة على بعد مترين بس.
متفرجة على جوزي وهو عايش دور ابن الأصول والنسيب المثالي لعيلة تانية.
وفجأة افتكرت جنازة أبايا الله يرحمه.
كانت من سنة بالظبط.
ساعتها برضه الناس كانت عمالة تسألني نفس السؤال:
“هو فين كريم؟”
وأنا جاوبت أكتـر من عشر مرات:
“في سفرية شغل وماحقش يرجع.”
وفي الآخر صدقت الكذبة اللي ألفتها بنفسي.
واحدة من الموظفين في دار المناسبات جيت تطلب أهل المتوفى عشان إجراءات أخيرة.
مريم مسكت في كم كريم تلقائياً.
هو عدلها الشال الأسود بحنية وقالها:
— أنا هخلص كل حاجة، أنتِ ارتاحي.
مريم فضلت باصاله وهي بتقول:
— هو أحن بكتير مما يبان عليه… لما بابا حالته ساءت، ساب كل شغله اللي يقدر يسيبه.
سكتت شوية وسألتها:
— وأنتِ طلبتِ منه يرجع لشغله؟
— آه، وزعل مني أوي.
مريم ابتسمت بحزن وقالت:
— قال لي الشغل يتعوض والفلوس تروح وتيجي، لكن القعدة جنب حد كبير في أيامه الأخيرة لو ضاعت مش بترجع أبداً.
حسيت بكسرة وجع في قلبي من جوه.
— هو قالك كده بالظبط؟
— أيوه، كريم يبان هادي وتقيل، بس في الحقيقة بيقدر العيلة أكتر من أي حد.
ماقدرتش أمنع نفسي إنه تطلع مني ضحكة مكسورة.
لأن بابا لما كان بيموت، أنا كلمت كريم.
خمس مرات.
وفي المرة الأخيرة رد عليا.
قلتله:
“الدكاترة بيقولوا بابا ممكن ما يكملش للصبح… تقدر ترجع؟”
سكت شوية وبعدين قال:
“نادية، أنا مش هسيب مشروع بملايين عشان حاجة إحنا مش عارفين هتطلع إمتى ولا هيحصل إيه.”
بابا مات في نفس الليلة الفجر.
وكريم جه البيت بعد 11 يوم.
حضنني وقال إنه آسف… وأنا اللي انتهى بيا المطاف بعزيه وأخفف عنه!
في اللحظة دي تليفوني اهتز جوه الشنطة.
رسالة.
من كريم.
“انزليلي عند العربية تحت، لازم نتكلم.”
رفعت عيني.
ومن خلال الأبواب الزجاج شفته واقف مستنيني جنب عربيتي.
ملامحه مكنتش ملامح “النسيب الحنين” اللي الكل كان لسه بيمدح فيه من شوية.
كانت ملامح راجل اكتشف فجأة إن مراته هي كمان بتعرف تكدب.
شلت التليفون في الشنطة.
وقبل ما أخرج، مريم قربت مني وقالت جملة خلت رجلي تتسمر في أرضها:
— على فكرة يا مدام نادية… كريم كان حكالي إن مراته ماتت السنة اللي فاتت.
بصلتها بالراحة.
ومريم كملت كلامها:
— قال إنها توفت بعد وفاه باباها على طول.
ساعتها بس فهمت حاجة مهمة أوي.
أنا مكنتش الست الوحيدة اللي لسه دفنة جوزها وهو لسه على وش الدنيا وبيتنفس.
صلي على رسول الله وتابع
لايك وكومنت ومتابعه ليصلك باقي القصه
خرجت من دار المناسبات وأنا حاسة إن كل خطوة بتاخد مني سنة من عمري.
كريم كان واقف جنب العربية، إيده في جيبه، ووشه متوتر.
أول ما شافني، فتح باب العربية وقال:
— اركبي يا نادية.
وقفت مكاني.
— لأ.
بصلي باستغراب.
— يعني إيه لأ؟
ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة.
— يعني زي ما أنت طلبت مني أنزل عشان نتكلم… أنا كمان عايزة نتكلم، بس هنا.
لف حواليه وبص للشارع.
— الناس ممكن تشوفنا.
— الناس؟
قرب مني وقال بصوت واطي:
— نادية، إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
— غلط؟
طلعت التليفون من شنطتي وفتحته قدامه.
— الرسالة اللي إنت باعتها لي امبارح من ألمانيا كانت من رقم ألماني.
سكت.
— وأنا النهارده شفتك قدامي في جنازة أبو مريم.
سكت أكتر.
— ومريم قالتلي إنك حكيتلها إن مراتك ماتت السنة اللي فاتت.
رفع عينه في عيني.
— أنا كنت هشرحلك.
— إمتى؟
— قريب.
— بعد ما تتجوزها؟
وشه اتشد.
— مريم مالهاش ذنب.
الجملة دي كانت أغرب حاجة ممكن يقولها.
ابتسمت.
— وأنا؟
— إنتِ مراتي.
— بالضبط.
قرب خطوة.
— نادية، اسمعيني للآخر.
رفعت إيدي.
— لا، المرة دي أنت اللي هتسمع.
سكت.
قلت له:
— أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس. إنت كنت فين طول الثلاث شهور اللي فاتوا؟
بلع ريقه.
— هنا.
ضحكت.
— يعني ألمانيا كانت هنا؟
— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
— أمال إيه؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— أبو مريم كان شريكي.
تجمدت.
— شريكك؟
— أيوه.
— في إيه؟
— في مشروع.
— مشروع فرانكفورت؟
هز راسه.
— آه.
ضحكت بمرارة.
— يعني مشروع فرانكفورت موجود هنا في نفس البلد، وفي نفس المستشفى اللي كان أبو مريم بيموت فيه؟
— نادية…
— استنى.
قاطعته.
— وإيه حكاية إنك كنت بتبات جنبه؟
خفض عينه.
— كان عنده مرض خطير.
— وأنا عارفة.
— وكان عارف إن أيامه معدودة.
— وأنا عارفة.
— وطلب مني ما أقولش لمريم حاجة عن الشغل.
— ليه؟
رفع عينه وقال:
— لأنه كان خايف عليها.
سكت.
وبعدين أضاف:
— كان عايز يتأكد إن مستقبلها مأمّن.
بصيت له طويلاً.
— ومريم؟
— مريم كانت مخطوبة لحد تاني.
— وأنت؟
اتردد.
— أنا…
— أنت عملت إيه؟
ما ردش.
وهنا فهمت.
مش كل حاجة.
لكن كفاية.
قلت:
— أنت خلتها تسيب خطيبها؟
— لأ.
— قربت منها؟
سكت.
— جاوبني يا كريم.
قال بهدوء:
— أنا وقفت جنبها.
— وبعدين؟
— مع الوقت…
ضحكت.
— مع الوقت حبتك.
سكت.
— وإنت حبيتها؟
لأول مرة شفت عينه بتتهرب مني.
وده كان كفاية.
رجعت خطوة.
— طب وليه قلت لها إن مراتك ماتت؟
— عشان أبوها.
— إيه علاقة أبوها؟
— كان رافض أي علاقة بيننا طول ما أنا متجوز.
بصيت له بذهول.
— فقت/لتني وأنا عايشة؟
ما ردش.
— قلت لها إن مراتك ماتت؟
— كنت مضطر.
— ومين اللي كان عارف إني مراتك؟
— أبوها.
— ومريم؟
هز راسه.
— لأ.
— وأمها؟
— لأ.
— يعني أنت كنت عايش حياتين.
— نادية…
— تلات شهور!
صرخت لأول مرة.
— تلات شهور وأنا فاكرة إن جوزي في ألمانيا! كنت بطمن عليك، وبستناك، وببعتلك هدوم، وبسأل إذا كنت أكلت!
بدأ يتكلم، لكني منعته.
— والأوسخ من كل ده؟
سكت.
— إنك كنت بتعمل مع مريم نفس الحاجات اللي أنا كنت مستنياها منك.
وشه اصفر.
— بتسألها أكلتِ؟ سقعانة؟ تعبانة؟
سكت.
— بتقعد جنب أبوها بالليل.
سكت.
— بتظبط لها الشال.
سكت.
— وبتقول لها إن العيلة أهم من الشغل.
سكت.
بصيت له وقلت:
— نفس الراجل اللي رفض يرجع يشوف أبويا وهو بيموت.
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.
قال بصوت ضعيف:
— أنا غلطت.
— لأ.
هزيت راسي.
— الغلط إنك تنسى تشتري حاجة من السوبر ماركت.
قربت منه.
— إنك تختار واحدة تانية وتدفن مراتك في كلامك، ده قرار.
فضل ساكت.
وبعدين قال:
— أنا كنت هطلقك.
ابتسمت.
— كنت؟
— بعد ما أبوها…
— يموت؟
هز راسه.
— كنت هخلص كل حاجة.
— وتسيبني أخرج من حياتك بهدوء؟
— آه.
— وتعيش مع مريم؟
— كنت فاكر إن ده الحل.
بصيت ناحية دار المناسبات.
من وراء الزجاج، كانت مريم واقفة وسط الناس، وبتبص علينا.
قلت:
— وهي عارفة إنك متجوز؟
— لأ.
— هتقول لها؟
— نادية…
— هتقول لها؟
سكت.
فقلت:
— خلاص. أنا هقول لها.
مسك دراعي بسرعة.
— لأ!
سحبت إيدي منه.
— ليه؟
— أبوها مات النهارده.
— وأنت كنت سبب في إن بنتُه تحب راجل متجوز وهي فاكرة إنه أرمل.
سكت.
— دي مش مشكلتي.
بصلي برجاء.
— اديني فرصة.
الكلمة دي خلتني أضحك.
— فرصة؟
— أيوه.
— أنا اديتك سنين.
قرب مني وقال:
— أنا لسه بحبك.
بصيت له.
ولأول مرة من سنين، ما حسيتش بغيرة.
ولا غضب.
ولا حتى وجع.
حسيت بحاجة واحدة بس…
إني خلصت.
قلت:
— وأنا كنت بحبك.
وشه اتغير.
— كنت؟
هزيت راسي.
— من اللحظة اللي عرفت فيها إنك كذبت عليا، الحب مات.
وبعدين بصيت ناحية دار المناسبات وقلت:
— بس فيه حاجة لازم تعملها.
— إيه؟
— ترجع لمريم.
اتوتر.
— وتقف قدامها.
— نادية…
— وتقول لها الحقيقة.
— دلوقتي؟
— أيوه.
— في جنازة أبوها؟
— أيوه.
— هتنهار.
قلت بهدوء:
— أنا انهرت لوحدي يوم وفاة أبويا.
سكت.
— محدش كان مهتم إني أقدر أتحمل ولا لأ.
وبعدين مشيت ناحية الباب.
قبل ما أدخل، لقيته بينادي:
— نادية!
وقفت من غير ما ألف.
قال:
— لو قلت لها الحقيقة… كل حاجة هتضيع.
لفيت له.
— لأ يا كريم.
ابتسمت لأول مرة بصدق.
— الحقيقة مش هي اللي هتضيع حياتك.
وبصيت له في عينه.
— الحقيقة هتوريك إن حياتك كانت ضايعة من زمان.
دخلت دار المناسبات.
مريم شافتني وجريت عليا.
— مدام نادية، في حاجة حصلت؟
بصيت في عينيها.
وكان واضح إنها لسه مصدقة إن الرجل اللي واقف بره هو أمانها الوحيد.
مسكت إيدها.
وقلت:
— مريم… لازم أحكيلك حاجة عن كريم.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت خطوات كريم ورايا.
ولأول مرة، دخل المكان من غير ما يمثل دور “الأرمل الوفي”.
دخل كزوج.
وكان لازم يقول الحقيقة بنفسه.
إتبعنا