حـ.ـمـ.ـلت من خطيبي
نظرت إلى الطفلة النائمة في أحضان جدي. كانت صغيرة جدًا، بريئة تمامًا، لا تدري أنها ولدت لتكون ضحية أكبر خديعة وأبشع ترتيب للقدر. كيف يمكن لهذه الرضيعة التي لا يتجاوز عمرها أيامًا معدودة أن تحمل في دمائها هذا السر المظلــ,,ـــــم؟
كيف أنظر إلى وجهها بعد اليوم وأنا أرى فيه وجه أب أكتشف الآن أنه أخي؟قمت واقفة بصعوبة، وأنا أترنح كالسكرانة. كدت أسقط أكثر من مرة، وأنا أردد:— حرام.. حرام عليكم! ليه سيبتوني أعيش في الوهم ده؟
ليه ما قولتليش من الأول؟ لو كنت أعرف.. لو كنت أعرف أي حاجة عن العيلة دي، ما كنتش قربت منه! ما كنتش فتحتله قلبي! ما كنتش خليت اللحظة دي تحصل!جدي قام من كرسيه وهو يحمل الطفلة بحذر، واقترب مني وحاول أن يمسك بيدي، لكنني تراجعت للخلف وأنا أهز رأسي برعب ورفض.
قال جدي بنبرة توسل:— أمك كانت فاكرة إنها بتحميكي يا بنيتي! كانت فاكرة إن العيشة في الستر والتستر على السر أفضل من إنك تكبري وأنتِ عارفة إنك بنت حرام من راجل نذل! كانت عايزاكي تكبري وأنتِ مرفوعة الراس، فاكرة إن الراجل الصالح اللي رباكي هو أبوكِ الحقيقي!
محدش فينا كان يتوقع إن الأيام تدور، وإنك تتقابلي مع ابنه في نفس المدينة، وتوقعوا في حب بعض من غير ما حد يدري! ده قدر.. قدر أسود ومكتوب!جلست على الكنبة وضغطت على رأسي بيدي بكيل من القوة كأنني أحاول منع عقلي من الانفجار.
كل الذكريات مع خطيبي بدأت تمر أمام عيني كشريط فيديو مرعب:ابتسامته، كلامه عن عيلته التي كان يتهرب دائمًا من الحديث عنها بتفاصيل، قوله لي في أحد الأيام بضحكة غامضة: “أنا وأبويا بيننا مشاكل كبيرة، وعشان كده أنا قطعت علاقتي بيه وبكل عيلته من زمان ومابحبش أفتكرهم”..الآن فقط فهمت!
الآن فقط أدركت لماذا لم يكن يريدني أن ألتقي بأحد من أسرته، ولماذا كان يهرب من الفكرة كلما اقترحت عليه أن يزور جدي! هل كان يعلم؟ أم أنه كان يجهل هو الآخر حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها السأل أو البحث؟
رفعت رأسي لجدي وسألته بصوت حاد ومختنق بالدموع:— هو اسمه الحقيقي إيه؟ أبوكِ وأبوه اسمه إيه بالكامل؟جدي بلع ريقه وقال بصوت مكسور:— اسمه “سليم العطار”.. وأبوه كان اسمه “فريد العطار”.عندما نطق الاسم، شعرت بسكــ,,ـــــين يقسم صدـ,,ـــري إلى نصفين.