جوزي كريم
-
“يا كريم… مين اللي على الباب؟ تأخرت ليه؟”
خرجت من الطرقة ببطء… كانت لابسة قميص نوم واسع ومحترم، بس مش اللبس هو اللي طير برج من عقلي… اللي صدمني بجد، وخلى الركبتين يتخشبوا تحتي، كان بطنها! بطنها المدوّرة والبارزة بوضوح شديد… إنها حامل في الشهر الرابع أو الخامس!
بصيت لبطنها وأنا مش مصدقة عينيا، الحقيقة كانت بتضرب في دماغي زي الساطور. قلت بصوت واطي يادوب طالع من بين سناني:
-
“نجلاء… إنتي… إنتي حامل؟!”
نجلاء أول ما شافتني وشرقت من الخضة، وشها جاب ألوان وراحت متوترة ومستخبية ورا ضهر كريم، ماسكة في قميصه بلهوجة.
وفجأة… طلع صوت ثواني وأعرفه أكتر من نفسي من ناحية المطبخ. حماتي! أم كريم! طلعت وهي شايلة طبق شوربة فراخ سخنة يدخن في إيديها، وبتقول بحنية وأمومة:
-
“يا كريم، ساعد نجلاء تقعد يا بني، ما ينفعش تفضل واقفة كده كتير عشان البيبي ما يتعبش!”
أول ما رفعت عينها وشافتني واقفة على الباب، خطوتها اتجمدت في الأرض. طبق الشوربة أتهز في إيدها، وعلامات الصدمة والذهول ظهرت على وشها لحظة… بس للأسف، اللحظة دي ما طولتش. الصدمة اختفت، وحل محلها برود وجليد ما شفتش زيه في حياتي. مشت بخطوات ثابته، حطت الطبق على الترابيزة الرخام اللي في الصالة، وبصت لي بكل بجاحة وقوة عين، وقالت:
-
“طالما عرفتي الحقيقة خلاص… ملوش لازمة نمثل أكتر من كده ولا نستخبى!”
قربت مني وقالت في عيني، من غير ما يرف لها جفن أو تحس بذرة كسوف أو ذنب:
-
“الطفل اللي في بطن نجلاء ده… ابن كريم. عيلتنا لازم يبقى ليها حفيد يشيل اسمنا.”
وبعدين كملت بالجملة اللي قطعت آخر عرق كان باقي جوايا ونزلت عليا زي المرزبة:
-
“لو إنتي مش قادرة تخلفي له وتملي عليه بيته… يبقى فيه غيرك تقدر وتخلف!”
الكلام كان بيرن في وداني زي الجرس، بعنف بيطرق على جمجمتي. كريم واقف زي الصنم، كاتم بوقه ونازل عينيه في الأرض بجبن. ونجلاء مدارية وراه وباصة للفرش ومستنية العاصفة. وحماتي… المأمنة، اللي كانت كل يوم بتقول لي “إنتي بنتي اللي ما ولدتهاش يا منى”، واقفة بقلب ميت بتدافع عن خيانتهم وقلة أصلهم وبتبص لي بتحدي.
وقفت مكاني مثبتة في الأرض… ما اتكلمتش. لا صرخت… ولا عيطت… ولا حتى أيدي اترعشت فـ وقعت التورتة أو الأكياس مني.
لأني في اللحظة دي بالذات، فهمت كل حاجة. فهمت إن اللي حصل ده ما كانش غلطة ولا لحظة ضعف ولا نزوة شيطان… دي كانت خيانة متخططلها ومتحبوكة على مَهل ومن زمان أوي. كلهم كانوا عايشين حياة كاملة وموازية من ورا ضهري، حاطين إيدهم في إيد بعض، ومستنيين اليوم اللي أعرف فيه الحقيقة عشان ألم هدومي وأمشي في سكات وهدوء.
لكن هما ما كانوا ينظروا ولا يعرفوا إن قبل ما أفكر أصلاً أمشي من البيت ده، أو أسيب لهم الشارع، كنت هكشف سر أخطر بكتير… سر مستخبي جوه جدران العيلة دي، سر هيقلب حياتهم كلها رأسًا على عقب، وهيخليهم يدفعوا تمن كل لحظة خيانة وغدر غالي أوي… غالي فوق ما يتخيلوا.
بل كان صمت الكارثة، ذلك النوع من السكينة المريبة التي تسبق انفجار بركان غاشم بياكل الأخضر واليابس.
بصيت للتورتة اللي كانت بين إيدي، للشريط الستان المربوط حولين العلبة بنظام، ثم لأكياس الفطير المشلتت الطازة الليحرصت على أن أختارها بنفسي واحدة واحدة من الفرن البلدي وأنا واقفة على رجلي بسأل الراجل ينقي لي الأحسن والأطري، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت ست حزينة محطمة لتواسيها في يتمها وترملها. كم كنت غبية! وكم كانت السذاجة والنية الطيبة تكسو روحي بغطاء عمى عيني عن الخيانة! الفطير الذي تحسست حرارته بيدي من شوية كاد يبرد، تمامًا كما بردت الدماء في عروقي وأنا أرى خيانة زوجية ليست مجرد نزوة عابرة أو خطأ لحظة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة ومبصوم عليها من الأم، ومباركة من جميع أفراد العيلة على حساب عمري، وصحتي، وأيامي الصعبة اللي أهديتها لهم بلا حساب ولا مقابل.
تحركت خطوات بطيئة بثبات مرعب، غير مبالية بنظرات الرعب المرتجفة في عين كريم اللي كانت رايحة جاية بيني وبين الباب، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء وهي بتلم قميص نومها حولين بطنها وراء ضهره، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون والآمرة الناهية في الشقة.
تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حادث سير مروع مش عارف يهرب منه، ودخلت من باب الشقة لجوه الصالة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف، ولا حتى أيدي اهتزت فـ تهز الحوائج اللي شايلها. كان هناك نوع غريب من البرود القاتل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية التي لا توصلها شمس.
حطيت التورتة بالراحة على ترابيزة الصالة وجنبها أكياس الفطير، وعيني بتتفحص المكان.. التفاصيل، أطقم الكاسات، السجاد، اللوحات اللي على الحيطة.. كل حاجة كانت بتقول إن المكان ده متجهز بمهل وعلى نضافة، مش مجرد شقة أردح فيها أسبوعين.
قالت حماتي بنبرة محاولة لضبط إيقاع الموقف وترميم الهيبة اللي اتهزت بوجودي، وكأنها تدير جلسة صلح عائلية في بيت العيلة: