قبل ثمانية عشر عامًا تزوجت ابنة عمي

ظل واقفًا في الشارع أكثر من ساعة، والورقة بين يديه ترتجف مع أن الهواء كان ساكنًا.

 

أعاد قراءة النتيجة مرات كثيرة، كأنه ينتظر أن تتبدل الكلمات وحدها.

 

لكن الحقيقة بقيت كما هي…

 

أربعة من الأبناء لا تربطهم به أي صلة دم.

 

أما الخامس… ابنته الصغيرة “يارا” فقط… كانت ابنته فعلًا.

 

شعر وقتها أن قلبه انقسم نصفين، نصف يريد أن يصرخ ويكسر كل شيء، ونصف آخر يتذكر وجوه الأطفال وهم يركضون نحوه كل يوم وهم ينادونه “بابا”.

 

عاد إلى البيت قبل المغرب بقليل.

 

فتحت له زوجته الباب، وما إن نظرت إلى وجهه حتى تغيّر لونها.

 

سألته بصوت خافت: “شنو بيك؟”

 

لكنه لم يجب.

 

دخل وجلس في الصالة بصمت، ثم وضع ورقة التحليل أمامها.

 

في البداية لم تفهم، قرأت السطور بسرعة ثم توقفت فجأة، وبدأت يداها ترتجفان بعنف.

 

رفعت عينيها نحوه، وكان في نظرتها شيء يشبه الانهيار قبل الكلام.

 

قال بصوت ميت: “قوليلي الحقيقة… منو أبوهم؟”

 

انفجرت بالبكاء فورًا، بكاء مرعب، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.

 

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في اعتراف بالخيانة…

 

بل في القصة التي خرجت من فمها بعدها.

 

قالت وهي تختنق: “والله ما خنتك يوم… أقسم بالله.”

 

ضحك بمرارة وقال: “التحاليل تكذب يعني؟”

 

هزّت رأسها بعنف وهي تبكي: “إنت تتذكر يوم حادث السيارة قبل عشرين سنة؟ قبل زواجنا بشهور؟”

 

سكت.

 

طبعًا يتذكر…

 

ذلك الحادث الذي دخل بعده المستشفى أيامًا طويلة.

 

قالت: “أهلك وقتها ما قالوا لك الحقيقة كاملة… الدكتور قال إنك فقدت القدرة على الإنجاب بسبب الإصابة.”

 

شعر أن الدنيا تدور حوله.

 

اقترب منها ببطء وقال: “شنو دخل هذا بالأطفال؟”

 

أخفضت رأسها، ثم قالت الجملة التي حطمت ما تبقى داخله:

 

“أمك… هي اللي أخذتني للدكتور بعد زواجنا بسنة لما تأخر الحمل… وهناك فهمت كل شيء.”

 

تجمّد مكانه.

 

“أمي؟”

 

أكملت وهي تبكي: “كانت خايفة تتركني أو تتزوج عليّ… قالت لازم نحافظ على البيت بأي طريقة… وأنا رفضت بالبداية، والله رفضت… لكنها ظلت تضغط عليّ شهور، وقالت إن الرجل ما يتحمل يعرف إنه عقيم… وإنك ممكن تموت من القهر.”

 

صار يتنفس بصعوبة.

 

“شنو سويتوا…؟”

 

أغلقت عينيها وقالت: “التلقيح… كان يتم عن طريق متبرعين بالمستشفى… بعلم أمك.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل إلى درجة أن صوت عقارب الساعة صار مؤلمًا.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *