جوزي الملياردير دفع لي مبلغ خيالي عشان أختفي لأن عشيقته حامل في توأم بس وإحنا بنجهز لفرحهم اللي قرب تحاليل الـ DNA ظهرت في وقتها بالظبط، ودمرت عيلته كلها.. مكنوش يعرفوا إني عارفة كل حاجة! “حددي سعرك يا علا. بس امضي النهاردة، واخرجي من حياتنا في هدوء، واختفي تماماً قبل ما التوأم دول يتولدوا”. إجلال الشناوي (أم جوزي) مكنش باين عليها أي كسوف وهي بتقول الجملة دي. كانت بتتكلم وعينها باردة وعملية جداً، كأنها بتفاوض على شراء قصر على النيل، أو طيارة خاصة، أو مبنى جديد في مستشفى هيتكتب عليه اسم عيلتها. كنا قاعدين حوالين ترابيزة اجتماعات فخمة من خشب الجوز الغامق المتلمع، في الدور الـ 48 من “برج الشناوي” في وسط البلد، وببص على ورق قضية طلاق تِقيل كفاية إنه يدفن جواز عشنا فيه سنين. من ورا الواجهة الزجاج الكبيرة، كان نهر النيل بيلمع تحت شمس الشتا في شهر نوفمبر، بيلمع ببرود وكأنه مش مهتم باللي بيحصل جوه. وقدام الناحية الثانية من الترابيزة كان قاعد جوزي، طارق الشناوي. وجنبه كانت قاعدة شيرين، عشيقته، وإيد ليها ساندة على بطنها اللي يدوب بدأت تظهر، والإيد الثانية مكلبشة في صوابع جوزي. توأم، زي ما بيقولوا. مستقبل عيلة الشناوي، زي ما بيقولوا. المعجزة اللي معرفتش أقدمها له. طارق كان رافض يبص في عيني. الوجع والكسرة اللي جواه كانوا أكبر من الابتسامة الماكرة اللي على وش شيرين. بعد 8 سنين جواز، بعد كل حقنة هرمونات أخدتها، بعد كل دعاء في نص الليل وأنا ببكي، بعد كل ممر مستشفى كنت بمسك فيه في هدومه والدكاترة بيقولوا لنا: “أنا آسف.. مفيش نصيب”، جوزي كان قاعد على بعد متر واحد مني وبيتعامل معايا كأني مشكلة في الشغل ولازم تخلص! وقال بصوت واطي وهادي، الصوت اللي كان بيوفره لأعضاء مجلس الإدارة والمستثمرين: “علا.. مش لازم الموضوع يقلب بقلة قيمة وبشكل وحش”. بصيت على إيدينا اللي صورتها عاكسة على الترابيزة الزجاج، بس إيدي أنا اللي كانت لوحدها. قلت له: “الموضوع قلب بوَساخة وقلة قيمة من اللحظة اللي أنت جبتها فيها هنا”. شيرين نزلت رموشها وعملت نفسها مجروحة وصعبان عليها نفسها. أما حماتي إجلال فبوقها اتلوى بضيق؛ كانت ست طويلة، شعرها رمادي، ولابسة عقد ألماظ على شكل صليب، بس كان عندها برود عاطفي زي خزانة بنك مقفولة بقفل حديد. جوزها، كامل الشناوي، كان قاعد في آخر الترابيزة، ساكت بس مركز في كل كلمة. الراجل ده هو اللي حول “مجموعة الشناوي” من مجرد مخازن شحن لـ إمبراطورية عقارات ومستشفيات وصناديق استثمار خاصة. في البلد هنا، رجال الأعمال كانوا بيوطوا صوتهم لما سيرته تيجي. بس في الصباحية دي، موطاش صوته. وقال بقسوة: “أنتي أخدتي سنين وفرص كتير يا علا.. ابني محتاج عيال يشيلوا اسمه. العيلة دي محتاجة استقرار”. استقرار.. دي الكلمة اللي كله بيستخدمها لما يحبوا يخلوا القسوة والظلم يطلعوا بشكل شيك ومحترم. إجلال زقت لي شنطة جلد فخمة: “28 مليون جنيه.. هيتحولوا لحسابك في خلال 24 ساعة. وفيلا في الساحل، وشقة في الزمالك، ومبلغ شهري مدى الحياة. مش هتحتاجي تشتغلي تاني طول عمرك”. فتحت الملف. الورق كان متظبط بالمسطرة والقلم. طبعاً، عيلة الشناوي مابتوسخش إيدها بالدم طول ما الحبر قايم بالواجب. طلاق بالتراضي. سرية تامة ومطلقة. مفيش أي تصريح للصحافة أو السوشيال ميديا. مفيش أي مطالبات بحصة في شركات الشناوي. مفيش حضور لأي مناسبة تخص العيلة. ومفيش أي تواصل مع طارق، أو شيرين، أو أي طفل هيتولد للعيلة دي من غير إذن كتابي رسمي! وبعدين عيني وقعت على بند خلى صوابعي تتجمد في مكانها. قريت بصوت عالي: “انفصال تام ومطلق عن أي موضوع أو قضية تخص عائلة الشناوي حالياً أو مستقبلاً”. واحد من المحامين اللي قاعدين حمحم وقال: “ده كلام قانوني روتيني عشان حماية العيلة”. ابتسمت، بس مكنتش ابتسامة رضا: “مفيش أي حاجة روتينية في إنك ترمي مراتك وتتخلى عنها بعد 8 سنين عشرة قبل ميعاد العشا”. طارق اتنفض مكانه وقال بضيق: “ماتصعبيش الأمور عليا يا علا”.#حكايات_علي_ابوالدهب بصيت في عينه اللحظة دي.. ده نفس الراجل اللي بكى على ركبي بعد تاني مرة سقطت فيها، وقال لي إن ربنا هيعوضنا وهيجبر بخاطرنا. نفس الراجل اللي من 10 أسابيع بالظبط كان بيبوس إيدي في شاليه مطروح وهو بيقولي إنه مشتاق لأيامنا القديمة، وإننا ممكن نلاقي طريق نرجع بيه لبعض تاني. نفس الراجل اللي رجع البيت تاني يوم الصبح وريحة صابون الفنادق وبرفيوم حريمي تاني فايحة من قميصه! 10 أسابيع.. عيني راحت على إيد شيرين اللي فوق بطنها.#حكايات_علي_ابوالدهب سألتها: “أنتي في الشهر الكام بالظبط؟” الأوضة كلها اتوترت. شيرين بربشت بعينها وقالت: “داخلة في الأسبوع الـ 12”. فك طارق اتشد بغضب. داخلة في الأسبوع الـ 12! افتكرت ليلتنا في مطروح بكل تفاصيلها القاسية: المطر وهو بيخبط في الزجاج، دراعات طارق وهي محاوطاني، وصوته المكسور وهو بيقول: “مش عايز أخسرك يا علا”. في الليلة الغبية دي، أنا صدقته. في الليلة الغبية دي، سمحت لنفسي أصدق إن الخيانة ممكن يكون ليها نهاية. ودلوقتي شيرين واقفة قدامي، شايلة مستقبله في بطنها، وأنا واقفة هنا مفيش فوق كتافي غير ذل إني صدقت إن اللي انكسر ممكن يتصلح. إجلال خبطت بصوابعها اللي معمول لها مانيكير على العقد: “أنتي لسه صغيرة، وحلوة، وذكية. بالفلوس دي والاتفاق ده تقدري تبدأي حياتك في المكان اللي يعجبك. بس طارق وراه مسؤوليات دلوقتي”.#حكايات_علي_ابوالدهب شيرين همست بصوت ناعم كله انتصار: “مسؤولياته تجاه عياله”. لسنين، وأنا بسمع إن جسمي رافض يشيل اسم الشناوي. شوفت إجلال وهي بتبطل تسأل عن الدكاترة والعمليات وبدأت تلمح لي بتبني طفل بأسلوب كأنها بتتكلم عن قطة أو حتة ديكور قديمة في البيت. شوفت طارق وهو بيبعد، وبعدين بيبقى خلقُه ضيق، وفي الآخر مبقاش موجود اصلاً. ودلوقتي ظهرت العشيقة بالتوأم، وفجأة كل اللي في الأوضة عرفوا قيمتي وسعري! 28 مليون جنيه. عقارين. والسكوت التام. كامل الشناوي مال لقدام وقال بأمر: “امضي.. عشان كل واحد يخرج من هنا بكرامته وقيمته”. بصيت له نظرة طويلة وقاتلة: “لأ.. كل واحد هيخرج من هنا بالحاجة اللي اشتراها بفلوسه”. ولأول مرة، طارق رفع عينه وبص لي. عينه كانت حمرا، بس أنا مابقتش بصدق دموعه. الناس اللي زي طارق ممكن يعيطوا بسبب النتايج والعواقب، بس عمرهم ما يندموا على اللي عملوه بإيديهم. مسكت القلم الذهب اللي إجلال حطته جنب الملف. طارق قال بصوت شبه بيترجى: “علا..” مضيت الصفحة الأولى. وبعدين الثانية. وبعدين الثالثة…#حكايات_علي_ابوالدهب …مضيت الصفحة الأولى. وبعدين الثانية. وبعدين الثالثة… وكل ورقة كنت بمضيها، كنت حاسة إنهم فاكرين إنهم كسبوا. إجلال ابتسمت لأول مرة من أول الجلسة، وراحت تبص للمحامي وقالت بثقة: “خلاص… خلّصوا التحويلات النهاردة”. أما شيرين، فحطت إيدها على بطنها وبصتلي بنظرة شفقة مستفزة، كأنها الملكة اللي أخيراً أخدت التاج مني. بس الحاجة الوحيدة اللي محدش فيهم لاحظها… إني كنت هادية زيادة عن اللزوم. لما خلصت آخر إمضاء، قفلت الملف بهدوء، وسندت ضهري على الكرسي، وبعدين قلت: “مبروك عليكم… بس قبل ما نمشي، في حاجة لازم تشوفوها”. طارق قطب: “إيه تاني يا علا؟” طلعت موبايلي من الشنطة، وفتحت إيميل قديم، وبعدين زقيت الموبايل ناحية كامل الشناوي. “التحاليل وصلت الصبح”. الأوضة سكتت. كامل أخد الموبايل بضيق، لكن بعد ثواني… وشه اتسحب لونه بالكامل. إجلال اتوترت: “في إيه؟” ما ردش. بس طارق خطف الموبايل من إيده بعصبية… ولأول مرة في حياتي شوفته بيتحول للشحوب بالشكل ده. إيده بدأت ترتعش. شيرين ضحكت بتوتر: “مالك يا حبيبي؟” طارق رفع عينه عليها ببطء… وقال بصوت مبحوح: “التحليل بيقول… إني مستحيل أخلف”. الصمت نزل على الأوضة كأنه قنبلة. شيرين اتجمدت. إجلال قامت واقفة مرة واحدة: “إيه الهبل ده؟!” بصيت لها بهدوء: “مش هبل… ده تقرير من معمل في سويسرا. طارق عمل التحاليل بنفسه من 6 شهور بعد ما الدكتور شك إنه عنده مشكلة وراثية”. كامل لف ناحية ابنه: “الكلام ده حقيقي؟” طارق كان بيبص للأرض… ساكت. وسكوته كان اعتراف. إجلال قربت منه وهي شبه بتصرخ: “يعني إيه مستحيل تخلف؟! أمال العيال اللي في بطنها دول إيه؟!” شيرين قامت بسرعة: “أكيد التحاليل غلط! أكيد—” لكن طارق قاطعها وهو بيبص لها بنظرة مكسورة: “أنا كنت عارف”. كلنا بصينا له. حتى أنا… رغم إني كنت مستنية اللحظة دي. قال بصوت مهزوز: “عرفت من شهرين… بس كنت مرعوب. كنت محتاج أصدق أي كذبة”. شيرين رجعت لورا كأن حد ضربها: “أنت بتتهمني؟!” طارق ضحك ضحكة موجوعة: “هو أنا حتى ينفع أتهم؟” كامل الشناوي خبط بإيده على الترابيزة بعنف خلّى الكاسات تهتز: “ابن مين اللي في بطنك يا شيرين؟!” شيرين بدأت تعيط: “والله العظيم كنت فاكرة إن—” “فاكرة إيه؟!” إجلال صرخت فيها بجنون. “فاكرة إنك ضحكتي على عيلة الشناوي كلها؟!” وأنا؟ كنت قاعدة أتفرج بس. لأن المسرحية لسه مخلصتش. فتحت شنطتي بهدوء، وطلعت ملف تاني. المرادي، كامل الشناوي نفسه بص لي بخوف. قلت: “بالمناسبة… في نسخة من التحاليل دي كانت عندي من شهرين. يومها عرفت إن المشكلة عمرها ما كانت عندي أنا”. طارق رفع عينه فجأة. كملت وأنا ببص له: “أنا كنت حامل مرتين يا طارق… والمشكلـة كانت منك أنت. بس والدتك دفعت للدكتور وقتها عشان يقول إن العيب مني”. إجلال شهقت: “إنتي بتكدبي!” رميت قدامهم ورق مختوم. تقارير. تحويلات بنكية. وتسجيل صوت. وصوت إجلال طلع من التسجيل واضح: “قول لها المشكلة منها… ابني لازم يفضل راجل قدام نفسه”. طارق بص لأمه كأنه أول مرة يشوفها. “أمي…؟” إجلال اتلجلجت: “أنا كنت بحميك!” “دمرتي حياتي!” صرخ فيها. شيرين كانت بتعيط بانهيار، وكامل الشناوي واقف مذهول، أما المحامين فبقوا يبصوا لبعض في رعب حقيقي، لأن إمبراطورية الشناوي كلها كانت مبنية على صورة العيلة المثالية. وأنا؟ قمت بهدوء. لميت النسخة اللي مضيتها من عقد الطلاق، وحطيتها في الشنطة. إجلال قالت بصوت مكسور: “إنتي… كنتي عارفة كل ده؟” ابتسمت لها أخيراً. “من يوم ما طلبتوا مني أختفي”. بعدين بصيت لطارق للمرة الأخيرة. كان بيبكي فعلاً المرة دي… بس زي ما فهمت أخيراً، بعض الدموع بتيجي متأخرة قوي لدرجة إنها مبتنقذش أي حاجة. ولما وصلت لباب قاعة الاجتماعات، كامل الشناوي نادى عليّ: “علا… إنتي رايحة فين؟” بصيت له، وقلت بهدوء قاتل: “أروح أعيش الحياة اللي حاولتوا تدفنوني بعيد عنها”. وخرجت. وسبت ورايا التوأم اللي محدش عارف أبوه مين… والابن اللي اكتشف إنه عمره ما كان يقدر يبقى أب… والأم اللي دمرت ابنها بإيديها… وعيلة كاملة، وقعت في ثانية… مش بسبب الخيانة. لكن بسبب الكدبة اللي عاشوا بيها سنين.