جوزي الملياردير
…مضيت الصفحة الأولى. وبعدين الثانية. وبعدين الثالثة…
وكل ورقة كنت بمضيها، كنت حاسة إنهم فاكرين إنهم كسبوا.
إجلال ابتسمت لأول مرة من أول الجلسة، وراحت تبص للمحامي وقالت بثقة: “خلاص… خلّصوا التحويلات النهاردة”.
أما شيرين، فحطت إيدها على بطنها وبصتلي بنظرة شفقة مستفزة، كأنها الملكة اللي أخيراً أخدت التاج مني.
بس الحاجة الوحيدة اللي محدش فيهم لاحظها… إني كنت هادية زيادة عن اللزوم.
لما خلصت آخر إمضاء، قفلت الملف بهدوء، وسندت ضهري على الكرسي، وبعدين قلت:
“مبروك عليكم… بس قبل ما نمشي، في حاجة لازم تشوفوها”.
طارق قطب: “إيه تاني يا علا؟”
طلعت موبايلي من الشنطة، وفتحت إيميل قديم، وبعدين زقيت الموبايل ناحية كامل الشناوي.
“التحاليل وصلت الصبح”.
الأوضة سكتت.
كامل أخد الموبايل بضيق، لكن بعد ثواني… وشه اتسحب لونه بالكامل.
إجلال اتوترت: “في إيه؟”
ما ردش.
بس طارق خطف الموبايل من إيده بعصبية… ولأول مرة في حياتي شوفته بيتحول للشحوب بالشكل ده.
إيده بدأت ترتعش.
شيرين ضحكت بتوتر: “مالك يا حبيبي؟”
طارق رفع عينه عليها ببطء… وقال بصوت مبحوح:
“التحليل بيقول… إني مستحيل أخلف”.
الصمت نزل على الأوضة كأنه قنبلة.
شيرين اتجمدت.
إجلال قامت واقفة مرة واحدة: “إيه الهبل ده؟!”
بصيت لها بهدوء: “مش هبل… ده تقرير من معمل في سويسرا. طارق عمل التحاليل بنفسه من 6 شهور بعد ما الدكتور شك إنه عنده مشكلة وراثية”.
كامل لف ناحية ابنه: “الكلام ده حقيقي؟”
طارق كان بيبص للأرض… ساكت.
وسكوته كان اعتراف.
إجلال قربت منه وهي شبه بتصرخ: “يعني إيه مستحيل تخلف؟! أمال العيال اللي في بطنها دول إيه؟!”
شيرين قامت بسرعة: “أكيد التحاليل غلط! أكيد—”
لكن طارق قاطعها وهو بيبص لها بنظرة مكسورة: “أنا كنت عارف”.
كلنا بصينا له.
حتى أنا… رغم إني كنت مستنية اللحظة دي.
قال بصوت مهزوز: “عرفت من شهرين… بس كنت مرعوب. كنت محتاج أصدق أي كذبة”.
شيرين رجعت لورا كأن حد ضربها: “أنت بتتهمني؟!”
طارق ضحك ضحكة موجوعة: “هو أنا حتى ينفع أتهم؟”
كامل الشناوي خبط بإيده على الترابيزة بعنف خلّى الكاسات تهتز: “ابن مين اللي في بطنك يا شيرين؟!”
شيرين بدأت تعيط: “والله العظيم كنت فاكرة إن—”
“فاكرة إيه؟!” إجلال صرخت فيها بجنون. “فاكرة إنك ضحكتي على عيلة الشناوي كلها؟!”
وأنا؟ كنت قاعدة أتفرج بس.
لأن المسرحية لسه مخلصتش.
فتحت شنطتي بهدوء، وطلعت ملف تاني.
المرادي، كامل الشناوي نفسه بص لي بخوف.
قلت: “بالمناسبة… في نسخة من التحاليل دي كانت عندي من شهرين. يومها عرفت إن المشكلة عمرها ما كانت عندي أنا”.
طارق رفع عينه فجأة.
كملت وأنا ببص له: “أنا كنت حامل مرتين يا طارق… والمشكلـة كانت منك أنت. بس والدتك دفعت للدكتور وقتها عشان يقول إن العيب مني”.
إجلال شهقت: “إنتي بتكدبي!”
رميت قدامهم ورق مختوم.
تقارير. تحويلات بنكية. وتسجيل صوت.
وصوت إجلال طلع من التسجيل واضح: “قول لها المشكلة منها… ابني لازم يفضل راجل قدام نفسه”.
طارق بص لأمه كأنه أول مرة يشوفها.
“أمي…؟”
إجلال اتلجلجت: “أنا كنت بحميك!”
“دمرتي حياتي!” صرخ فيها.
شيرين كانت بتعيط بانهيار، وكامل الشناوي واقف مذهول، أما المحامين فبقوا يبصوا لبعض في رعب حقيقي، لأن إمبراطورية الشناوي كلها كانت مبنية على صورة العيلة المثالية.
وأنا؟
قمت بهدوء.
لميت النسخة اللي مضيتها من عقد الطلاق، وحطيتها في الشنطة.
إجلال قالت بصوت مكسور: “إنتي… كنتي عارفة كل ده؟”
ابتسمت لها أخيراً.
“من يوم ما طلبتوا مني أختفي”.
بعدين بصيت لطارق للمرة الأخيرة.
كان بيبكي فعلاً المرة دي… بس زي ما فهمت أخيراً، بعض الدموع بتيجي متأخرة قوي لدرجة إنها مبتنقذش أي حاجة.
ولما وصلت لباب قاعة الاجتماعات، كامل الشناوي نادى عليّ: “علا… إنتي رايحة فين؟”
بصيت له، وقلت بهدوء قاتل:
“أروح أعيش الحياة اللي حاولتوا تدفنوني بعيد عنها”.
وخرجت.
وسبت ورايا التوأم اللي محدش عارف أبوه مين… والابن اللي اكتشف إنه عمره ما كان يقدر يبقى أب… والأم اللي دمرت ابنها بإيديها… وعيلة كاملة، وقعت في ثانية… مش بسبب الخيانة.
لكن بسبب الكدبة اللي عاشوا بيها سنين.