عملية أمي ٢

دخلت الكلمات كطلقات رصاص اخترقت جدران المكتب الفخم. “رجال من النيابة العامة في الأسفل”.

توقفت عقارب الساعة عن الدوران في عقول الجميع. عبد العزيز الرويشد، الرجل الذي لم تنحنِ هامته لأي أزمة اقتصادية طوال عقود، تراجع بظهره إلى الكرسي الجلدي، وبدت عليه فجأة علامات العجز والشيخوخة؛ تلاشت الهيبة، وارتجفت يداه وهو ينظر إلى الصندوق الخشبي وكأنه يرى فيه تابوت تاريخه بأكمله.

أما بدر، فقد انهار تمامًا. تراجع خطوات إلى الخلف حتى اصطدم بالواجهة الزجاجية المطلة على الرياض، وأخذ يلتفت يمينًا ويسارًا كفأر حوصر في زاوية ضيقة، هامسًا بكلمات غير مفهومة: «مستحيل… كيف عرفوا؟ أبو فهد وعدني أنه لن يتحدث… لقد دفعنا له ملايين!»

التفتت سارة نحو شقيقها بدر بنظرة ممتلئة بالاحتقار، وقالت بصوت متهدج لكنه حاد ومسموع: «دفعتم له لتشتروا صمته؟ أم لتشتروا وقتًا إضافيًا لدفن قذارتكم؟ طوال سنوات وأنا أصلح خلفك، أتحمل حماقاتك في السوق وأقول “أخي الصغير سيتعلم”… لكن أن يصل الأمر إلى بيع اسم العائلة، وغسيل الأموال، وتوريط والدي في جريمة تدمر كل ما بناه؟»

ساد صمت ثقيل قطعته دقات قلب عبد العزيز المتسارعة، الذي التفت بنظرات مكسورة نحو ابنته سارة، ونطق بصوت مبحوح: «سارة… يا بنتي… أنا…»

قطعت سارة كلامه برفع يدها، وقالت بمرارة هزت أركان الغرفة: «لا تقلها يا والدي… لا تقل “يا بنتي” الآن. قبل دقائق فقط كنت “المرأة” التي لا تصلح للإدارة، “البنت” التي مكانها خلف الستار لأنها لا تحمي الظهر. والآن، عندما انهار السقف فوق رؤوسكم، تذكرت أنني ابنتك؟ لقد أخرجتني من الميراث ومن الشركات ليس خوفًا عليّ ولا حماية لي من السجن، بل لأنك تعلم أن عيني القانونية والقاسية كانت ستكشف هذه الجريمة من أول سطر! أردت إبعادي لتمرير صفقة العار مع البنك الأجنبي وتغطية فضيحة ابنك “الرجل” الذي يحمل اسمك!»

في هذه الأثناء، كان سلمان، الابن الأصغر، يجلس مطأطأ الرأس، ينظر إلى هاتفه ويداه ترتجفان، ثم قال بصوت خافت: «الأخبار بدأت تتسرب… أسهم المجموعة في السوق المالي بدأت بالانهيار عموديًا… نحن نخسر كل شيء في هذه اللحظة.»

### المواجهة القانونية والأخلاقية

طُرق باب المكتب بعنف، ودخل ثلاثة رجال ببدلات رسمية، يتقدمهم ضابط ومعه إذن رسمي من النيابة العامة. تقدم الضابط بثبات نحو عبد العزيز وبدر، وقال بنبرة صارمة: «السيد عبد العزيز الرويشد، والسيد بدر الرويشد… أنتم مطلوبون للتحقيق الفوري بتهمة التسهيلات الائتمانية الوهمية، غسيل الأموال، والإضرار العمدي بالاقتصاد والمساهمين. تفضلوا معنا بدون إثارة أي فوضى.»

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *