بابا عارف ظروف جوزي
اماني سيد
فضلت قاعدة في الصالة، الوقت بيمر عليا زي السنين، وعيوني متسمرة على باب الشقة.. مش قادرة أعمل حاجة، ولا قادرة أتحرك من مكاني. كنت براجع كلامهم في دماغي، كلام حماتي اللي زي السم، وبجاحة منيرة.. كل كلمة كانت بتزيد النار اللي في قلبي.
أول ما سمعت صوت المفتاح في الباب، قلبي دق بقوة، وقمت وقفت وأنا ماسكة نفسي بالعافية. دخل أمير بوشه المجهد بعد يوم طويل، وشافني واقفة بملامح مش مطمنة خالص.
ـ “مساء الخير يا نهلة.. في إيه؟ مالك واقفة كدة ليه؟”
بصيت له بكل الوجع اللي جوايا، ومسكت في كلامي عشان ما ينهارش مني. اتكلمت وصوتي طالع مبحوح ومكسور:
ـ “الخير جه بوجعه يا أمير.. كنت النهاردة عند أمك، والنهاردة عرفت الأصول اللي ماشية بيها في البيت ده.”
حاول يقاطعني ويهدي الأمور قبل ما يسمع:
ـ “يا نهلة اهدي بس وقولي في إيه..”
قاطعته أنا بصرخة مكتومة والدموع بدأت تجري:
ـ “أهدي إيه؟ الجمعية اللي بقالي شهور بدفع فيها، والقرشين اللي أبويا بيحرم نفسه عشان يديهم لي وأنا ساكتة ومستحملة، أمك قالتلي انسيها عشان هي ومنيرة أولى بيهم! ولما قلتلها ده حقي، قالتلي بلسانها: (المفروض إنك إنتي اللي من نفسك تساعدينا من غير ما نطلب، وأبوكي معاه فلوس كتير روحي اطلبي منه يجبلك).”
سكتت لحظة، ونظرات الذهول والصدمة لسه في عيني، وكملت وأنا بضغط على حروف كلامي:
ـ “أنا عايزة أعرف النهاردة.. إنت راجل في البيت ده ولا كومبارس؟ أهلي اللي بيسندوك وبيشيلوك، أمك وأختك بيذلوني بيهم؟ قوللي دلوقتي يا أمير.. الفلوس دي هترجعلي ولا أنا هنا مجرد حد بيخدم عليكم بفلوسه؟”
أمير أول ما سمع كلامي، عروق رقبته برزت ووشه احمر بطريقة خوفتني. ملامحه اللي كانت مجهدة من الشغل اتحولت فجأة لملامح غضب مكتوم، وضرب بإيده على الطرابيزة اللي جمبه بقوة خلت الكوبايات تترعش.
زعق بصوت عالي، لأول مرة أشوفه بالمنظر ده:
ـ “إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا نهلة؟ يعني إيه أمي تقولك روحي اطلبي من أبوكي؟ يعني إيه تاخد فلوسك وتديها لمنيرة عشان تتمنظر بيها قدام خطيبها؟”
قرب مني وخطواته كانت تقيلة ومغتاظة، وكمل وهو بيتنفس بصعوبة من كتر العصبية:
ـ “أنا عارف إن أمي لسانها طويل وبتحب تتدخل في كل حاجة، بس توصل إنها تمد إيدها على حاجتك وبفلوس أبوكي؟ ده اللي مش ممكن أقبله أبداً! ده قلة تقدير ليا قبل ما يكون قلة تقدير ليكي ولراجل زي أبوكي اللي شايلنا فوق راسه.”
بص لي وعيونه بتلمع بالغضب، وتابع وهو بيمسك مفاتيح العربية بعصبية:
ـ “أنا مش هسكت على المهزلة دي. فاكراني إيه؟ مليش كلمة في البيت ده؟ ولا هي مفكرة إنها لما تضغط عليكي أنا هقف اتفرج؟ أنا نازل دلوقتي حالا، ومش هرجع إلا والفلوس دي في معايا .. وأمي ومنيرة ليهم حساب تاني معايا، مش هخليها تفتكر إنها تقدر تكسر كلمتي وتدوس على كرامتك بالشكل ده!”
سابني وخرج وهو بيخبط الباب وراه بقوة، وأنا واقفة في مكاني مصدومة.. مش مصدقة إن أمير أخيراً انتفض، بس في نفس الوقت قلبي مقبوض من اللي ممكن يحصل لما يواجههم وهما في الحالة دي من البجاحة.
نزل أمير السلم وخطواته بتهد الأرض، وأنا واقفة ورا الباب قلبي عمال يدق، ما بين خوف من الخناقة اللي هتحصل، وما بين إحساس بالانتصار إن جوزي أخيراً حس بكرامتي وبقهرتي.
فتح باب شقة حماتي ودخل وهو على آخره. كانت حماتي قاعدة لسه مع منيرة، أول ما شافوا وشه الأحمر وعيونه اللي بتقد شرار، الضحكة اختفت من على وشهم.
أمير مبدأش حتى بالسلام، زعق بصوت هز الحيطان:
ـ “إيه اللي أنا سمعته ده يا أمي؟ يعني إيه تاخدي جمعية نهلة وفلوسها عيني عينك كدة؟ الفلوس دي تطلع دلوقتي حالا وترجع لصاحبتها!”
حماتي اتعدلت في قعدتها، وبأعلى ما عندها من برود وبجاحة، حطت كوباية الشاي وقالتله:
ـ “جرى إيه يا أمير؟ داخل علينا حامي كدة ليه وطاير في السما؟ هي مرتك لحقت تتشحتف وتتمسكنلك؟ الفلوس دي إحنا أولى بيها، أختك بتتجهز وعايزين نسترها قدام الناس!”
أمير اتعصب أكتر وصوته علي:
ـ “تستريها بفلوس مش حقتها؟ دي فلوس أبوها! الراجل بيديلها مصروف عشان حاسس بظروفي وشايل عني، تقومي أنتي تاخديها عشان تجددي الشقة وتجيبي لبس لمنيرة؟ أنتي كدة بتصغريني وبتكسري عيني قدام حمايا! الفلوس دي ترجع لنهلة عشان فستان فرح أختها وتجديد شقتها، مش من حق حد يلمسها!”
هنا حماتي قامت وقفت، ولَوت بوزها وبصتله بنظرة كلها لوم واستعلاء وقالتله الكلمتين اللّي نزلوا عليه زي السكينة:
ـ “تجديد شقتها وفستان فرح أختها؟ وأختك اللي من لحمك ودمك تغور؟ إيه يا أمير.. إنت فين مساعدتك لأختك؟ ده واجب عليك! المفروض من غير ما نطلب ومن نفسك تيجيد وتحط القرشين دول في إيد أختك وتقولها جهزي نفسك بيهم، مش جاي تقف قصادي وقصاد أختك عشان خاطر واحدة غريبة وتعملنا فيها راجل على أمك!”
منيرة هي كمان دخلت في الكلام وقالت بلوية بوز:
ـ “جرى إيه يا أبيه؟ بقى بتعمل فينا كدة عشان ست نهلة؟ عايز الناس تاكل وشنا يوم الخطوبة عشان خاطر ستارتين وفستان؟
طيب يا امير خد الفلوس ايه
بس اتفضل هات بقى تمن الاجهزه الكهربائيه اللى اختك محتاجاها وفى نواقص انت ملزم بيها طالما انت اخوها الكبير انا كنت مقدره ظروفك ومطلبتش منك فلوس دلوقتي اتصرف وهاتهم
وقف امير ساكت وامه رمت الكوره فى ملعبه ياترى هيرضخ لطلبها ولا لأ
أمير أخد نفس طويل، وعروق رقبته رجعت تبرز تاني من كتر الغيظ من كلام أمه، وبص لها بعين قوية وثابتة وقال بنبرة حاسمة هزت الصالة:
ـ “مساعدتي لأختي وواجبي ده لما أكون أنا اللي معايا وقادر يا أمي، مش آخد فلوس ناس تانية وأقول ده واجبي! مراتي مش ملزمة بنواقص بنتك، والعريس هو اللي ملزم يفرش بيته وشقته، ولو أهل العروسة ساعدوا في حاجة يبقى ده تفضل منهم وإحسان، مش واجب فرض عليهم!”
التفت لمنيرة اللي كانت واقفة تبص له بلوية بوز، وكمل كلامه وهو بيشاور بإيده:
ـ “خطيب بنتك لو مش قادر يفرش شقته وعايزنا نساعده في كل حاجة، يبقى يقول شكراً ويرضى باللي نجيبهوله على قد لحافنا! إنما إحنا مانضغطش نفسنا ونستبيح فلوس الغريب عشان نرضيه.. هو يوم ما جه وتقدم، شافنا وراضي بوضعنا وبظروفنا، محدش ضربه على إيده!”
بص لأمه تاني وقال بصوت جهوري مفيش فيه تراجع:
ـ “كلامي خلص يا أمي.. فلوس نهلة اللي أخدتوها تطلع دلوقتي حالا، أنا مش هطلع من هنا وفلوس حمايا في جيبكم، ومش هسمح إن كرامة مراتي وبيتي تتهان عشان منظرة كدابة قدام ناس غُرب!”
حماتي اتصدمت من رد فعله وقوته اللي مكانتش عملا حسابها، وبصت لمنيرة وهي مش مصدقة إن أمير وقف في وشهم وكسر كلامهم بالمنظر ده.