بابا عارف ظروف جوزي
اماني سيد
حماتي وشها جاب ألوان، وبقت تبص لأمير بذهول، كأنها مش مصدقة إن ابنها اللي كان ديماً بيعدي ويقول “حاضر” واقف قصادها النهاردة بيكسر كلمتها وبيرد عليها بالحجّة والدليل.
حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة اتهام وعينها بتطق شرار:
ـ “بقى كدة يا أمير؟ بتبيع أمك وأختك عشان خاطر الست نهلة؟ بقى إحنا اللي بنتمظهر كدابين؟ ده بدل ما تقف جمب أختك وتكون سندها؟”
أمير مردش عليها بالصياح، لقى نفسه هدي فجأة بس هدوءه كان أرعب من عصبيته، وقال بنبرة باردة وحاسمة:
ـ “أنا مابيعتش حد يا أمي، أنا بجيب الحق. والسند مش معناه إني أسرق حق مراتي وأكسر عينها قدام أهلها عشان أستر بنتك. الفلوس فين؟”
منيرة لما لقت أخوها قفل كل الأبواب، بدأت تعيط بتمثيل ولوت بوزها وهي بتقول:
ـ “شفت يا أمي؟ شفت ابنك بيعمل فينا إيه قبل خطوبتي بأيام؟ عايزني أطلع قليلية قدام أهله؟”
أمير مالتفتش ليها حتى، وفضل عينه في عين أمه مستني الفلوس. حماتي لما لقت إن مفيش فايدة، وإن أمير مش هيتحرك من مكاني إلا بالقرشين، مشيت خطوتين بغيظ ناحية الدولاب، فتحته وطلعت رزمة الفلوس، رمتها على الطرابيزة بغل وقالت وهي بتدير وشها الناحية التانية:
ـ “خدهم! خدهم يا سيدي واشبع بيهم وبست نهلة بتاعتك، بس افتكرها يا أمير.. افتكر إنك في أول زنقة لأختك اتخليت عنها عشان خاطر واحدة غريبة!”
أمير مد إيده بكل عزة نفس، أخد الفلوس وعدّها، وحطها في جيبه وبص لأمه للمرة الأخيرة وقال:
ـ “نهلة مش غريبة، نهلة مراتي وبيتي.. واللّي يمسها يمسني. سلام يا أمي.”
لف ضهره وخرج، وقفل الباب وراه، وأنا كنت واقفة فوق على السلم سامعة كل كلمة.. دموعي النحادي كانت نازلة، بس مكانتش دموع قهر، كانت دموع راحة وفخر إن الراجل اللي اخترته وسندته، طلع يستاهل السند ومكسرش بخاطري ولا رخصني.
طلع أمير السلم بخطوات أسرع، وأنا جريت على جوة الشقة وقعدت على الكنبة وأنا بحاول أظبط نَفَسي وأمسح دموعي عشان ما يحسش إني كنت واقفة على السلم وبسمعهم.
دخل من الباب، وشه كان لسه عرقان ومخطوف من شدة الأعصاب، بس أول ما عينه جت في عيني، ملامحه هديت شوية. قرب مني بخطوات هادية، ومد إيده وطلع رزمة الفلوس وحطها في إيدي، وقال بصوت حنين وفيه ريحة اعتذار:
ـ “خدي يا نهلة.. دي فلوسك كاملة اهي. حقك عليا يا بنت الأصول، أنا آسف على أي كلمة اتقالتلك وجرحتك، ومتقلقيش.. طول ما أنا عايش محدش هيقدر يكسر بخاطرك ولا يمد إيده على حاجة تخصك تاني.”
بصيت للفلوس اللي في إيدي، وبعدين بصيت لوشه، وحسيت إن الحمل اللي كان كاتم على نفسي كله انزاح. قومت وقفت وقربت منه، وقولت بنبرة صافية مفيهاش أي غل ناحيته:
ـ “الله يجبر بخاطرك يا أمير زي ما جبرت بخاطري ورفعت راسي. أنا مكانش هامي الفلوس على قد ما كان هامي أحس إن ليا ضهر وسند في البيت ده، والنهاردة أنت أثبتلي إني مكنتش غلطانة لما صبرت واستحملت معاك.”
ابتسم بتعب وطبطب على كتفي وقال:
ـ “أنتي مراتي وشرفي يا نهلة، والراجل اللي مفيش فيه خير لمراته وبيته ميبقاش راجل. ياللا بقا، شوفي كنتي عايزة تجددي إيه في الشقة، وانزلي هاتي الفستان اللي نفسك فيه عشان تظهري زي القمر في فرح أختك ومحدش يكون ليه عندك حاجة.”
في اللحظة دي، حسيت إن البيت البسيط ده رجعتله روحه تاني، والستائر الدايبة اللي كنت مكسوفة منها، مبقتش شايفاها غير حيطة سد حمتنا إحنا الاثنين لما وقفنا مع الحق.