لاول مره سمحت لي كنتي

لأول مرة سمحت لي كنتي أحمّم حفيدي وما إن نزعت اللاصقة الصغيرة عن ظهره حتى اكتشفت السر الذي أخفته عن الجميع منذ ولادته.

همست وهي تنظر إلى اللاصقة الملقاة على أرض الحمام، وكأنها تنظر إلى شيء كانت تعرف منذ شهور أنه سيحدث يومًا ما، لكنها كانت تؤجل تلك اللحظة بكل ما تملك من قوة.

“إنتِ… شلتي اللاصقة؟”

لم أجبها.

كنت ما زلت أحدق في الوحمة الصغيرة التي تتوسط ظهر الطفل، وحمة بنية داكنة على هيئة هلال واضح، بنفس المكان الذي رأيته فيه عشرات المرات من قبل، فوق ظهر أختي رحمها الله، ثم فوق ظهر ولديها عندما كانا طفلين، حتى إنني كنت أمازحهما دائمًا وأقول إنهما يحملان ختم أمهم أينما ذهبا.

لففت حفيدي داخل المنشفة، ثم رفعت رأسي إليها وقلت بهدوء لم يكن يشبه العاصفة التي تدور داخلي:

“قولي لي… كنتِ مخبياها ليه؟”

أخفضت رأسها، ولم تجب.

اقتربت منها خطوة أخرى.

“الوحمة دي أنا عارفاها كويس… وعارفة إنها مش وحمة أي حد.”

ارتعشت شفتاها، ثم همست:

“كنت عارفة إن أول ما حضرتك تشوفيها… كل حاجة هتنكشف.”

وقبل أن أسألها سؤالًا آخر، سمعنا صوت باب الغرفة يُفتح.

دخل ابني وهو يبتسم، لكن ابتسامته اختفت فور أن وقعت عيناه على وجهي، ثم على اللاصقة الملقاة بجوار حوض الاستحمام.

نظر إلى زوجته، ثم إليّ، ولم يحتج أن يسأل.

كان واضحًا أنه فهم.

قلت وأنا ما زلت أنظر إليه:

“تعال يا ابني… بص بنفسك.”

اقترب ببطء.

ثم وقعت عيناه على الوحمة.

أغمض عينيه للحظة، وأطلق زفرة طويلة، كأنها خرجت من صدر رجل ظل يحمل جبلًا فوق كتفيه سنوات، ثم أدرك أن لحظة سقوطه قد جاءت أخيرًا.

التفتُّ إليه، ولم أعد أحتمل أكثر.

“أنا عايزة أفهم.”

لم يرد.

رفعت صوتي لأول مرة.

“الولد ده مين؟”

ساد صمت ثقيل.

حتى الطفل، الذي كان يضحك منذ دقائق، هدأ فجأة، وكأنه شعر بأن شيئًا كبيرًا يدور حوله.

قلت وأنا أشير إلى الوحمة:

“دي وحمة أختي… وشفتها على ولادها الاتنين وهم صغيرين… مستحيل أغلط فيها.”

ثم نظرت مباشرة إلى زوجة ابني.

“انطقي.”

انفجرت في البكاء، لكنها لم تنطق بكلمة.

أما ابني، فاقترب منها، ووضع يده على كتفها برفق، ثم قال بصوت هادئ:

“سيبيني أنا اللي أحكي.”

نظرت إليه مذهولة.

“تحكي إيه؟”

تنهد طويلًا، ثم جلس على الكرسي المقابل، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وظل ينظر إلى الأرض ثوانٍ قبل أن يرفع رأسه نحوي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *