لاول مره سمحت لي كنتي
“فاكرة يا أمي يوم ما الدكتور قال لنا إن الحمل اتأخر شوية ومحتاج علاج؟”
هززت رأسي.
“فاكرة.”
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
“الحقيقة إنه ما قالش كده.”
شعرت بقلبي ينقبض.
“أمال قال إيه؟”
أطرق برأسه وقال بصوت خافت:
“قال إن المشكلة عندي أنا… وإن احتمال إني أخلف كان شبه مستحيل.”
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أجلس على أقرب كرسي.
طوال تلك السنوات…
كنت أظن أن المشكلة عند زوجته.
بل وأحيانًا، دون قصد، كنت أضغط عليها بكلمة أو نظرة، وألومها لأنها لم تُسعد ابني بطفل.
أما هو… فكان يحمل اللوم كله وحده، ويتركني أظلم المرأة التي أحبته.
نظر إليّ وقال:
“ماكنتش قادر أقولك الحقيقة… كنت عارف وجعها هيكون أهون عندي من نظرة الشفقة اللي كنت هاشوفها في عينيكي.”
سالت دموعي دون أن أشعر.
لكنه أكمل:
“وبعدها بحوالي شهر… رن عليَّ ابن اختك”
رفعت رأسي بسرعة.
“ابن أختي؟”
هز رأسه.
“وقال لي: لازم أشوفك… ضروري.”
ثم سكت لحظة، وكأنه يستعيد تفاصيل ذلك اليوم حرفًا حرفًا.
“لما وصلت له… لقيته مش شبه نفسه.”
“كان قاعد قدامي، وشعره مبهدل، وعينيه حمرا من السهر، وأول ما شافني قال لي: أوعى تكرهني قبل ما تسمعني.”
ثم ابتلع ريقه، وكأنه ما زال يسمع صوته حتى الآن، وقال:
“حكى لي إنه بحكم شغله في السياحة اتعرف على سائحة أجنبية، وإنه ارتكب أكبر غلطة في عمره واتجوزها.. غلطة فضل نادم عليها كل يوم، لأنه اندفع وكتب عليها من غير ما يفكر، وهو أصلًا كان بيحب مراته الأولى، وماكانش ناوي يعيش حياة تانية ولا يهد بيت كامل بناه بإيده.”
“وقال لي إن الست الأجنبية حملت، ولما قربت تولد قالت له بكل برود إنها مش هتربي الطفل، وإنها أول ما تضعه في الدنيا هتسلمه له وتمشي، وترجع بلدها، وكأن الطفل ده صفحة عايزة تقفلها وتنساها.”
سكت ابني، ثم نظر إليّ بعينين امتلأتا بالحزن.
“وقتها بص لي وقال جملة عمري ما نسيتها…”
ثم خفض صوته، وكأنه ينقل كلماته كما سمعها يومها:
“أنا غلطت… والطفل ملوش ذنب يدفع تمن غلطي. إنت حرمت من نعمة الأبوة. خدّه، وربّيه كأنه ابنك،
سكت ابني، وكأن الجملة ما زالت ترن في أذنيه حتى تلك اللحظة، ثم مسح دمعة هربت من عينه وقال بصوت خافت:
“فضل يبصلي وقتها، وكان مستني مني كلمة واحدة… وأنا مقدرتش أرد. رجعت البيت وأنا شايل هم الدنيا فوق كتافي، وكل الطريق كنت بسأل نفسي: هل ينفع أبدأ حياتي مع طفل مش ابني؟ وهل ينفع أعيش عمري كله وأنا مخبي الحقيقة عن الناس؟”