بعد وفاة جوزي

اتسمر طارق مكانه في أول درجة من السلم، وعينيه زادت اتساعها وهو شايف جيرانه طالعين ونظرات الاستنكار والذهول مالية وشوشهم. الحاج محمود صاحب العمارة قاطع السكوت وهو نازل خطوتين بصرامة وقال بحدّة: “في إيه يا استاذ طارق؟ صوتك جايب آخر الشارع ليه؟ وإيه الكلام المرعب اللي المدام بتقوله ده؟” طارق حاول يحافظ على قناع التقوى والرزانة اللي لبسه لسنين، وبدأ يتلعثم وهو بيمسح عرقه ويرجع خطوة لورا: “يا حاج محمود.. دي ست اتجننت! بتتبلى عليا بعد ما طردتني من الشقة وطلبت الطلاق، ودلوقتي بتألف قصة حامضة عشان تشوّه سمعتي قدام الناس وتغطّي على تقصيرها!” رفعت التلفون في وشه بثبات، ودست على زرار التشغيل. صوت طارق خرج نقي وواضح من سماعة التلفون المرفوعة.. صوته وهو بيهددني بالمذكرات والتسجيلات، وصوته الحقير وهو بيتكلم مع بنتي شهد في أوضة المكتب الساعة 3 الفجر وبيقولها: “مامتك مش فاهمة حاجة.. خلي كل حاجة بيننا سر”. الصوت هزّ الطرقة وسكت الكل. الحاج محمود بص لطارق بقرف شديد وقدم منه، وأم أحمد جارتنا حطت إيدها على بقها من كتر الصدمة وشهقت: “يا ساتر يارب! ده الراجل اللي كنا بنقول عليه بركة وشيخ وبيمشي جنب الحيط! طلعت بالبشاعة دي يا طارق؟” وشّ طارق اتغير للون الأسود، وعرف إن الورقة الأخيرة اللي كان بيلعب بيها طارت من إيده ومفهاش أي رجعة. الهيبة التقية اللي بناها لسنين وسط المنطقة اتبخرت في ثواني معدودة. مسك الملف اللي في إيده بعنف، ونبرة صوته اتغيرت كلياً كأنه وحش مجروح اتكشف غطاء جحره: “والله ما هسيبك يا ياسمين! الشقة دي شقتي، والبت دي أنا عارف إزاي أربيها بطريقتي، ومش هخليكِ تهنّي بليلة واحدة في المنطقة دي كلها!” الحاج محمود زقه بقوة بعيد عن باب الشقة وقال بصوت هز السلم: “انزل يا طارق من هنا أحسن ما نطلبلك البوليس يلمّك! المنطقة دي فيها رجالة، وما بنسمحش لواحد خاين وزيك يرفع صوته على ولادنا ولا يهدد حرمة بيوتنا!
انزل وما تشوفش وشك هنا تاني!” طارق بصلي بنظرة كلها كره وحقد ينطق بالشر، ونزل السلم وهو بيلهث وبيشتم تحت ضرسه، ورزع باب العمارة برة بقوة هزت الحوائط. قفلت الباب ورجعت لورا وأنا حاسة إن حيلتي اتهدّت تماماً. شهد اتَرَمَت في حضني وهي بتصرخ بالبكاء وجسمها كله بيترعش. الجيران طبعاً حاولوا يهدونا في اللحظة دي، بس أنا عارفة كويس طبع المجتمع.. الكلام مابيموتش بسهولة، والنظرات بين الناس بتتغير في ثواني. الشك هيفضل ينخر في دماغاتهم، وهيطلع مين يقول “أكيد البنت كانت بتديله وش” ومين يقول “أكيد الأم كانت دريانة”. ده الواقع اللي بنواجهه، دايماً بيحملوا الضحية جزء من الجريمة عشان يريحوا ضميرهم. عدت ليلتين، وكانت المنطقة تحت البيت مليانة همس. شهد رفضت تماماً تنزل المدرسة، وقعدت في الأوضة قافلة على نفسها ومبتكلش. بصيت لها ولقيت البنت بدأت تدبل وتحبل، الخوف قتل ضحكتها، والندم بياكل في جسمها الصغير. قعدت جنبها على السرير، مسكت إيدها المرتعشة وقولتلها بصوت حاسم: * “لو استخبيتي يا شهد، هتبقي بتعترفي قدام نفسك والناس إنك أذنبتي. طارق هو المجرم، هو اللي لازم يختفي ويستخبى في جحره، مش أنتِ. من بكرة هتنزلي مدرستك، ورأسك مرفوعة فوق، وأنا هكون معاكِ في كل خطوة ومفيش مخلوق يقدر يلمس منك شعرية.” هزت رأسها بدموع وقالت: “أنا خايفة يرجع يا ماما.. خايفة يعمل فينا حاجة.” وقبل ما أرد عليها، رنة التلفون قطعت كلامنا. كان المحامي. صوته مكنش يطمن خالص: * “يا ياسمين هانم.. طارق بيلعب لعبة قذيرة جداً ومش ناوي يسلّم بسهولة. عرفت إنه راح قسم الشرطة وعمل محضر كير رسمي ضدك وضد شهد، ببيتهمكم فيه بالسرقة والنصب! قايل إنك سرقتي منه أوراق ملكية ومبالغ مالية كبيرة كانت في المكتب، وإن بنتك ساعدتك في ده! والأدهى والأمر.. إنه مقدم صورة إيصال أمانة مزور بـ 500 ألف جنيه وادّعى إنك مضيتي عليه أثناء الزواج كأمانة!” الخبر نزل عليا زي الصاعقة! طارق كان بيحفر لي قبر قانوني محكم.
هو عارف إن القضية دي لو كبرت، هبقى مهددة بالحبس، أو هضطر أساومه وأتنازل عن الشقة والفيديو والمذكرات مقابل إنه يسحب المحضر وإيصال الأمانة المزور! المحامي كمل كلامه بجدية: “الوضع بقى معقد يا ياسمين.. إيصال الأمانة ده محتاج نطعن عليه بالتزوير ونستنى تقرير الخبراء، وده بياخد وقت، وفي الوقت ده ممكن ينزل عليكِ أمر ضبط وإحضار. طارق بيلعب بقذارة وشراسة راجل مفيش قدامه حاجة يخسرها.” الخوف كان بياكلني، بس الغضب جواه كان أعتى وأقوى. نزلت تاني يوم الصبح مع شهد عشان أوصلها لدرسها وأطلع منها على مكتب المحامي. وأنا ماشية معاها في الشارع الجانبي القريب من البيت، لقيت عربية سوداء بفراميه واقفة على جنب الممر. فجأة الباب اتفتح، وخرج منه طارق ومعاه راجلين شكلهم يقلق وعضلاتهم مفتولة! طارق كان عينيه فيها شر وجنون غير طبيعي. قرب مني بجرأة وقال بصوت واطي ومسموم: * “أهو ده المحضر المزور يا ياسمين.. وبنتك اللطيفة دي لو ما جتش معايا دلوقتي بالرضا عشان نقعد نتفاهم ونقفل المهازل دي ونكتب التنازلات، هخلي الرجالة دول يشدوها في العربية، وساعتها وريني هتجيبيها منين!” شهد صرخت واستخبت ورا ضهري وتشبثت في هدومي. الراجلين قربوا يطوقونا، والشارع كان فاضي تقريباً في الوقت ده من الصبح. طارق استغل إن الشارع هادي وقرر يتصرف بعنف وجنون كأنه بايع حياته. مسكت شهد بكل قوتي وطلعت إيدي التانية من الشنطة.. كنت عاملة حسابي لأي غدر منه من يوم ما هددني على السلم. طلعت زجاجة سبراي شطة حارقة كنت شرياها مخصوص، ورشيتها مباشرة وبقوة في وش الراجل الأولاني وفي عينين طارق مباشرة! طارق صرخ صرخة مكتومة ووقع على الأرض ماسك وشه وبيشتم بأبشع الألفاظ وهو بيتلوى من الحرقان. الراجل التاني اتخض ورجع لورا وهو بيمسح وش أخوه، وأنا مسكت إيد شهد وجرينا بأقصى سرعة ممكنة ناحية الشارع الرئيسي المليان ناس ومحلات. وقفت في الشارع الرئيسي وأنا بنهج ونبضات قلبي طالعة للسماء، وشهد بتصرخ من الرعب.
الناس اتجمعت حوليا يسألوا في إيه، بس أنا مكنتش قادرة أتكلم. أخدت شهد ودخلنا أقرب سوبر ماركت كبير، طلعت تلفوني وإيدي بتترعش واتصلت بالمحامي وبالشرطة مباشرة وبلغت عن محاولة خطف وابتزاز وتهديد صريح. الشرطة جات بسرعة، وأخدوا أقوالنا وشهادة أصحاب المحلات في الشارع الجانبي اللي شافوا طارق والعربية وهم بيهربوا بعد ما رشيت الشطة. ضابط المباحث كان راجل محترم وحاسم، لما شاف الفيديوهات القديمة وسمع التسجيلات وشاف بقع الشطة على الأرض وتفريغ كاميرا السوبر ماركت، أدرك إننا قدام راجل خطير ومريض نفسي وممكن يرتكب أي جريمة. الضابط قال للمحامي وليا بصوت حازم: “الجدع ده مش هيهدى إلا لما يتقبض عليه متلبس أو بقضية تخليه يقضي بقية عمره ورا الشمس. المحضر المزور بتاع إيصال الأمانة ومحاولة الخطف والابتزاز دلوقتي هيتحولوا للنيابة العامة بصفة عاجلة مع تفريغ كاميرات الشارع.” طارق استخبى بعد الحادثة دي، واختفى تماماً من شقته ومن شغله، بس المحامي تأكد إن النيابة أصدرت بالفعل أمر بضبطه وإحضاره بتهم الابتزاز الإلكتروني، محاولة الخطف، والتزوير. رغم كل ده، كنت حاسة إن الكابوس لسه مخلصش.. طارق بقى زي الذئب الجريح، والذئب لما ينحصر في الزاوية بيعمل أي حاجة مجنونة. وفي نفس الليلة، عرفت إن الكابوس بيكبر لما شهد مسكت تلفونها ولقيت رسالة جاية لها من رقم مجهول.. الرسالة كانت عبارة عن صورة لباب شقتنا من برة مكتوب تحتها: “النهاردة بليل.. يا هنهيها بالدم، يا هتاخدوا اللي تستاهلوه”. وقفت في نص صالة الشقة، بصيت لشهد اللي كانت قاعدة بتترعش، وبصيت للشبابيك المقفولة.. وعرفت إن الليلة دي هي الليلة الحاسمة، الليلة اللي لازم ينتهي فيها الكابوس ده للأبد، إما بحريتنا ونجاتنا، أو بفاجعة تهد كل حاجة بنيتها. مسكت التلفون، اتصلت بضابط المباحث والمحامي وقولتلهم بصوت ثابت زي الجبل: “طارق جاي الشقة النهاردة بليل يخلص حسابه.. تعالوا واستخبوا جوة، الليلة دي لازم كل حاجة تتقفل.” وترقبوا الجزء الخامس والأخير لمعرفة النهاية الحاسمة لكابوس ياسمين وشهد وطارق.
انتشر السكون في الشقة، سكون ثقيل يخنق الأنفاس. الساعة قاطعت منتصف الليل بكتكتة منتظمة، والبيت كله متغطي في الضلمة، إلا من ضوء الشارع الضعيف اللي داخل من بين فتحات الشيش. شهد كانت قاعدة على أرضية المطبخ واستخبّت جوة، ضامة ركبها ومغمضة عينيها بتدعي بالسلامة، وأنا واقفة في الطرقة الضلمة، حسة بضربات قلبي كأنها طبول حرب بتدق في صدري. ورا ستارة الصالون وفي أوضة الأطفال، كان ضابط المباحث مع اثنين من رجال الشرطة بالزي المدني مستخبيين في صمت تام، بعد ما أمنوا المداخل والمخارج وضبطوا خطة التلبس بناءً على الرسالة الأخيرة اللي جتنا. الساعة جابت 1:30 الفجر. فجأة، سمعت صوت حركة خفيفة جداً برة الباب.. صوت آلة معدنية بتتحرك في الكالون براحة شديدة، محاولة من طارق إنه يفتح الباب بالمفتاح القديم اللي كان محتفظ بنسخة منه. الكالون عصلج معاه لأننا كنا مغيرين القلب، فسمعت نفس مكتوم وشتمية واطية بحقد. بعدها بثواني، الخبط بدأ.. خبطات مكتومة بس متوالية، وبعدها صوت طارق جاي من شق الباب، صوت مجنون ملوش علاقة بأي عقل أو رزانة: * “افتحي يا ياسمين.. أنا عارف إنك جوة، افتحي بدل ما أهدم الباب على دماغكم أنتي والبنت!
النهاردة مفيش بوليس ومفيش محامين هيحموا من إيدي!” ما رديتش، ووقفت في نص الصالة متسمرة، التلفون في إيدي شغال وبيسجل كل كلمة. طارق زاد جنونه، وبدأ يضرب الباب بكتفه بقوة هزت الحيطة. ضربة.. في الثانية.. في الثالثة، لحد ما أكرة الباب الاتكسرت والباب اتفتح بعنف ورزع في الحيطة! دخل طارق الصالة، وشه كان شاحب وعينيه زاغين كأنه مش في وعيه، ومسك في إيده مطواة قرن غزال مفتوحة وبتلمع في الضلمة، وجنبه كيس بلاستيك أسود كبير. صرخ وهو بيلتفت في الصالة: * “فين البت؟ فين شهد؟ تعالوا هنا النهاردة هحرق قلبك عليها وأخليكي تلفي حولين نفسك طول العمر!” قربت خطوتين بثبات، ووقفت قدامه بوضوح وقولت بصوت حاسم هز الشقة: * “أنت دخلت رجلك بنفسك لقبرك يا طارق!” رفع المطواة فوق وعينيه المليانة بشر أخدت خطوة سريعة ناحيتي: “ودين الله ما هسيبك عايشة!” في اللحظة دي بالظبط، الضوء اتفتح فجأة في الصالة كلها، والضابط ورجال الشرطة خرجوا من الأماكن اللي مستخبيين فيها كالصاعقة! * “اثبت مكانك يا طارق! ارمي السلاح من إيدك فوراً!” طارق اتخض اتخضاض مرعب، الرعب شل حركته لما شاف رجال البوليس والمسدسات الموجهة لرأسه. المطواة وقعت من إيده على الأرض ورزعت على السيراميك. حاول يلف ويهرب ناحية الباب المفتوح، بس الضابط كان أسرع منه؛ هجم عليه وثبته على الأرض، ورجال الشرطة كبلوا إيديه بالكلابشات من الضهر. كان بيلهث وبيصرخ بانهيار وهو المرمي على الأرض: * “والله مظلوم! هي اللي استدرجتني! هي اللي بعتتلي عشان نصلح الموضوع!” الضابط وطى على الأرض ومسك الكيس الأسود اللي كان طارق جايبه معاه، وفتحه قدام الجميع.. كان جوة الكيس زجاجة بنزين وسلسلة حديد وقفل! كان جاي ناوي يحبسنا جوة الشقة ويولع فينا عشان يداري على جرائمه كلياً! الضابط بص لطارق بقرف وقاله: * “تلبس كامل.. اقتحام، تهديد بالسلاح، ومحاولة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. غير بلاغات الابتزاز والتزوير واستغلال القاصر اللي في النيابة. كده مشوارك انتهى تماماً يا طارق.” خرجوا بيه مكبل ومكسور من الباب، والجيران كلهم كانوا واقفين على السلم وشايفينه وهو بيتسحب زي الكلب المذعور، والكلابشات في إيديه وزجاجة البنزين والمطواة مرفوعين كأدلة جريمة. وسامعين صرخاته المتوسلة وهو بيتساق لسيارة البوليس.
/> خرجت شهد من المطبخ وهي بتبكي، بس المرة دي دموع ارتياح. جرت عليا واترمت في حضني بكل قوتها، وقالت بصوت خافق: * “خلاص يا ماما؟ الكابوس ده خلص؟” حضنتها بقوة، ودموعي نزلت لأول مرة من أسبوعين.. دموع الخوف اللي حبستها والقوة اللي اصطنعتها عشان أحمي بيتي وبنتي. * “خلص يا شهد.. خلص والأبد. المريض ده مش هيشوف الشمس تاني.” مرت الأشهر.. وفي المحكمة، التقرير الجنائي وتقرير الخبراء أثبتوا تزوير إيصال الأمانة، وتفريغ الفيديو والمذكرات والتسجيلات وشهادة الجيران وتلبسه في الشقة، كانت كفيلة بصدور حكم رادع من القاضي بـ السجن المشدد 15 سنة لطارق، مع تجريده من كافة حقوقه المدنية وتغريمه مبالغ طائلة كتعويض. البيت رجع له الهدوء والسكينة اللي اتسرقوا منه. شهد كبرت، وعيت، وبقت أقرب ليا من أي وقت فات.. أدركت قيمة الأم والبيت السليم، وتجاوزت الصدمة بمساعدتي ومساندتي ليها، ورجعت لدراستها ورأسها مرفوعة. وأنا؟ اتعلمت إن الستر مش معناه إننا نسكت على الحقارة أو الخطر عشان كلام الناس، الستر الحقيقي هو إنك تكوني الجدار الصلب اللي يحمي ولادك، وتواجهي الذئاب مهما كان القناع اللي لابسينه. تمت بحمد الله.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *