روحت لابوكي
اماني سيد
. يتصلح.. ويزيد عليه كمان.”طاهر أخد الجلابية، وحس إن الروح ردت فيه.في الليلة دي، المنيا نامت وهي بتتكلم عن “طاهر علوان” وعن هيبته وسط السوق، بس جوه البيت المقفول، طاهر كان عارف إن الهيبة الحقيقية مش في الصوت العالي ولا في كسر الستات.. الهيبة الحقيقية إنك تلاقي الست اللي تقفل عليك سرك، وتحميك من نفسك، وتعيش معاها راجل بالأصول.. مش بالورق.البيت مبقاش مجرد حيطان وسقف، بقى عامل زي الأرض اللي شربت ميتها بعد جفاف طويل. طاهر لقى نفسه بيتغير من غير ما يحس؛
الخبث اللي كان مالي عينيه اتبدل بنظرة هادية، والغل اللي كان بياكله من جوة اتقلب لـ رغبة حقيقية إنه يعوض مريم عن كل ليلة نامت فيها ودموعها على خدها.مرت سنة كاملة. سنة مريم مخرجتش فيها كلمة واحدة برة العتبة، ولا طاهر سمح لمخلوق يلقح بكلمة. مريم حملت، والبيت كله بقى عايش على أمل العيل الجديد اللي هيجي يربط القلوب أكتر وأكتر.في ليلة شتوية، المطرة كانت مغرقة الشوارع، وصوت الرعد بيزلزل الشبابيك.
مريم جاليها الوجع. طاهر اتجنن، بقا يجري في الشقة مش عارف يعمل إيه، نزل في المطر وجاب الداية والحاجة توحيدة أمه، وفضل واقف ورا الباب، إيديه على قلبه، بيدعي ربنا يسترها ويقوم مراته بالسلامة.جوه الأوضة، الحاجة توحيدة كانت قاعدة جنب مريم، بتمسح على رأسها وتدعي لها. وفي وسط الوجع، مريم مسكت إيد الحاجة توحيدة وقالت بنبرة طالعة من قلبها: “سامحيني يا أماه لو كنت في يوم زعلتك.
. أنا ماليش غيركم، وطاهر ده أبو ابني وسندي.”الحاجة توحيدة دمعت، والشك القديم كله داب في اللحظة دي. بياض قلب مريم وصبرها غسلوا كل السم اللي طاهر بخه زمان. طبطبت عليها وقالت: “مسامحاكي يا بنتي، أنتي ست الأصايل، وربنا يعلم إن غلاوتك بقت من غلاوة ولدي.”وبعد ساعات من القلق، صرخة صغيرة شقت هدوء الليل. الواد شرف الدنيا.الداية خرجت وفي إيدها الواد ملفوف في شال أبيض. طاهر خده منها، وجسمه كله بيرتعش. بص لوش ابنه، وبعدين دخل الأوضة جري. قعد على ركبه جنب السرير، وحط الواد في حضن مريم.طاهر دمعته نزلت، وباس رأس مريم وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “مبروك يا أم علي.
. يتربى في عزك يا ست الستات.”مريم ابتسمت بتعب، وبصت لطاهر وقالت: “هنسميه إيه يا أبو علي؟”طاهر بص لابنه، وبعدين بص في عين مريم وقال بنبرة مليانة يقين: “هنسميه (مرزوق).. على اسم الراجل الطيب اللي خلف وعرف يربي.”مريم عينها لمعت بالفرحة، وحست إن رد الاعتبار لـ أبوها في اللحظة دي كان أكبر مكافأة ليها على كل اللي استحملته.