الساعه ٥ الفجر
منى السيد
ما هخلي فيكي حتة سليمة! ادخلي المطبخ حالاً!
المطبخ بتاعك انت وأمك.. اشبعوا بيه.
لفيت ضهري بهدوء ودخلت على الدريسنج الصغير. طارق كان ماشي ورايا بيبرطم بكلام مليان شتايم وتهديد انتي فاكرة نفسك رايحة فين؟ أقسم بالله لو خرجتي من باب الشقة ده ملكيش رجوع، هتترمى في الشارع زي الكلاب، وأهلك في البلد مش هيستقبلوكي بمصيبتك دي!.
فتحت الدولاب، طلعت أكبر شنطة سفر خفيفة، ومن غير أي تردد بدأت ألم هدومي الأساسية تلات أطقم فورمال للشغل، الهدوم البيتي المريحة، لابتوب الشغل بالشاحن بتاعه، الفلاشات والهارديسك اللي عليه كل نسخ شغلي الاحتياطية، وأهم حاجة الخزنة الصغيرة المقفولة برقم سري في الرف العالي.
طارق لما شافني بطلع الخزنة جرى ومد إيده عشان يشدها مني انتي بتسرقي حاجتي كمان يا حرامية؟! زقيته بعيد بقوة مكنتش متخيلة إنها عندي، وجع جنبي ولّع نار في جسمي بس الأدرينالين كان مسيطر على كل خلية فيا الخزنة دي فيها دهبي اللي جايباه من حر مالي، وفيها شيكات أقساط الشقة اللي بتتسحب من حسابي البنكي، والشهادات بتاعة تحويلاتي للشركة العقارية.. لو إيدك لمست ورقة منها هطلب البوليس دلوقتي بتهمة الشروع في قتلي والسرقة بالإكراه، والتليفون ده فيه كل الصور اللي تثبت إنك اعتديت عليا علني.
نادية كانت واقفة على باب الأوضة، عيونها بتبص للشنطة بقلق حقيقي لأول مرة. هي كانت مفكرة إن آخر طموحي بعد ما أترزع في الأرض إني أدخل أوضتي أعيط وأستنى طارق يجي يديني كلمتين ناشفين يرضيني بيهم وخلاص، مكنتش متخيلة إن مريم بنت الأقاليم الهادية الساكتة ممكن في خمس دقايق تقلب الطاولة وتتصرف كأنها بتنفذ خطة طوارئ مدروسة بقالها سنورات.
سيبيها يا بني، سيبيها تغور في ستين داهية! نادية زعقت بصوت مشروخ وهي بتشد طارق من دراعه هي فاكرة إنها هتلويلنا دراعنا بالخروج؟ بكرة ترجع تزحف على بطنها عشان تطلب السماح لما تلاقي نفسها نايمة على الرصيف، بنات ملهمش أمان ولا بيوت تتستر فيها!
لبست ترينج واسع وكوتشي، مسكت دراع الشنطة، وحطيت شنطة ضهري اللي فيها اللابتوب والأوراق المهمة على كتفي اليمين بعيد عن جنبي الموجوع. مشيت في الطرقة بخطوات ثابتة، عيني مجتش في عين نادية وهي واقفة حاطة إيدها في وسطها، ولا بصيت لطارق اللي كان وشه مسوّد كأنه مش مستوعب إن السيطرة بتفلت من إيده بالشكل ده.
هترجعي يا مريم.. وهتدفعي تمن كل دقيقة خرجتي فيها من ورايا! طارق زعق وهو بيخبط الحيطة ببوكس لما وصلت عند باب الشقة الباب ده لو اتقفل، مش هيتفتحلك تاني غير بشروطي أنا!
وقفت، حطيت إيدي على أكرة الباب، وبصيتله من فوق كتفي متقلقش يا طارق.. الباب ده هيتفتح تاني، بس بشروطي أنا، وفي ميعادي أنا، وقدام الناس كلها.
نزلت السلالم خطوة بخطوة لأن كل دوسة على رجلي الشمال كانت بتسمّع في ضلوعي. الساعة كانت 525 صباحاً. الشارع كان هادي جداً والبرد بيلسع الوش. وقفت تاكسي وأول ما قعدت في الكرسي اللي ورا، مقدرتش أمنع دموعي إنها تنزل. عيطت مش من القهر، عيطت من الراحة.. الراحة المرة بتاعت البتر، زي المريض اللي أخيرًا وافق يقطع رجله اللي فيها غرغرينا عشان يفضل عايش.
طلعت التليفون وكلمت سارة، صوتها كان لسه فيه نوم بس أول ما سمعت نبرة صوتي فاقت في ثانية مريم؟! فيه إيه؟ مال صوتك؟ سارة.. أنا أخدت شنطتي ونزلت. أنا جاية على شقة خالتك في العباسية، ومحتاجة دكتور.. طارق مد إيده عليا ووقعني بقوة على الكومودينو وضهري مش قادرة أفرده. يا نهار أسود ومنيل! انتي فين دلوقتي؟ متتحركيش على الشقة علطول، اطلعي على مستشفى كليوباترا أو الدمرداش، لازم تقرير طبي الأول يا مريم قبل ما أي علامة تروح أو تبهت، فاهماني؟ التقرير الطبي هو سلاحك الأول في قواضي الضرب والطلاق للضرر!
كلام سارة كان عين العقل. سارة كانت محامية سابقة قبل ما تحول لل HR، وعارفة البير وغطاه في متاهات المحاكم. قلت لسواق التاكسي يغير المسار ويطلع بيا على مستشفى حكومي كبير عشان التقرير الطبي الميري ميكونش فيه أي تشكيك. الساعات اللي قضيتها في المستشفى كانت فيلم رعب حقيقي؛ برودة الطوارئ، دكتور النسا والولادة اللي اضطر يكشف عليا عشان يستبعد أي نزيف داخلي، دكتور العظام اللي عمل أشعة سينية على الحوض والفقرات القطنية، وأمين الشرطة اللي كان قاعد في نقطة المستشفى بيبصلي بزهق كأنه متعود على ألف واحدة زيي كل يوم.
عايزة تعملي محضر تعدي يا مدام؟ أمين الشرطة سأل وهو بيبري القلم الرصاص ببرود. عايزة أثبت الحالة في التقرير الطبي الأول، مش هفتح المحضر الجنائي رسمي غير لما المحامي بتاعي يحدد الميعاد المناسب. التقرير ده حقي، اديني نسختي المختومة. الدكتور كتب التقرير بالتفصيل كدمات رضية شديدة بالجانب الأيسر من أسفل البطن والحوض، سحجات وكدمات بالأطراف العلوية متفرقة، تمزق عضلي خفيف في الأربطة القطنية ناتج عن سقوط عنيف بجسم صلب، مع وجود كدمة دموية واضحة تستلزم راحة تامة لمدة لا تقل عن أسبوعين.
ختمت الورقة بالختم المثلث، وحطيتها في ملف بلاستيك شفاف وضميتها على صدري كأنها كنز.
وصلت الاستوديو في العباسية حوالي الساعة عشرة الصبح. المكان كان صغير، أوضة وصالة وحمام ومطبخ أمريكاني مفتوح، بس كان نضيف ومفروش ومستور، والأهم من ده كله.. مكنش فيه لا طارق ولا نادية. قفلت الباب بالترباس، رميت نفسي على السرير، وجسمي كله بدأ ينتفض من شدة الصدمة والمسكنات اللي أخدتها في المستشفى.
صحيت العصر على رنات موبايلي اللي مبطلتش. طارق كان متصل خمستاشر مرة، ونادية باعتة تلات ريكوردات على الواتساب. فتحت الريكورد الأولاني، صوتها كان عالي ومليان شماتة واستفزاز إيه يا ست هانم؟ فاكرة إنك لما تهربي طارق هيجري وراكي يبوس إيدك ترجعي؟ ده نايم زي القتيل ولا على باله، والنهاردة عازم أصحابه على الغدا في الشقة عندينا عشان يحتفلوا بيكي.. الشقة اللي كنتي قارفانا بيها هتبقى بيت العيلة بحق وحقيقي، وسيري بقى ورجي لحمك عند أهلك في المنصورة خليهم يشوفوا مين فيهم هيقدر يصرف على بت مطلقة ومكسورة!.
الريكورد التاني كان من طارق مريم، قسماً بالله لو ما جيتي الشقة قبل العشا واعتذرتي لأمي عن قلة أدبك ووساختك، لكون مغير كالون الباب ورامي بقية كراكيبك في الشارع. الشقة دي باسمي في الشركة وبطلي تستعبطي، إنتي ملكيش فيها غير اللي أرميهولك برضايا!.
مسحت الرسائل وحفظتها كلها في سكرين شوتس وفولدرات صوتية مخصصة للتوثيق. قعدت على الكنبة، فردت ضهري بالعافية، وفتحت اللابتوب بتاعي. طارق كان فاكر إني مجرد بنت أقاليم دخلت بيته عشان تعيش في أمانه، ونسي إني مهندسة العمليات والرواتب في أكبر شركة لوجستيات، وإن شغلي الأساسي قايم على تتبع السنتيمترات والسنتات، ومراقبة العقود، وكشف أي ثغرة ممكن تخسر الشركة مليم واحد.
دخلت على حسابي البنكي، وبدأت أطبع كشوف الحسابات لآخر تلات سنين، من أول يوم كتبنا فيه عقد شقة مصر الجديدة. الشقة كانت تمنها وقت الشراء اتنين مليون ونص. طارق دفع مقدم سبعمية