اتعرفت على بنت
طلعت على المسرح بخطوات ثابتة، ووقفت قدام الميكروفون، وبصت للحضور بابتسامة غريبة مقدرتش أفهم معناها.
قالت
مساء الخير على كل الموجودين. أنا اسمي منال، ويمكن بعضكم شافني النهارده وأنا بتكلم مع الأستاذ عماد.
أول ما سمعت اسمي، ركزت معاها أكتر.
كملت كلامها
أنا النهارده مش جاية أتكلم عن التنمر من الكتب أو الدراسات، أنا جاية أحكيلكم تجربة شخصية عشتها بنفسي. تجربة خلتني أفهم يعني إيه إنسان يتكسر من كلمة، ويعني إيه المجتمع يحكم عليك قبل ما يعرفك.
وبعدين سكتت لحظة، وقالت
وقبل ما أبدأ حكايتي، عندي سؤال مهم. هل الشخص اللي بيطلع على المسرح ويتكلم عن احترام الناس يستحق فعلًا إنه يكون قدوة؟ ولا ممكن يكون كلامه قدام الناس
حاجة، وتصرفاته في الحقيقة حاجة تانية خالص؟
بدأت الهمهمات تنتشر وسط الحضور.
أما أنا، فحسيت بقلق غريب، خصوصًا لما لقيتها بتبص ناحيتي للحظة، وبعدها رجعت بصت للجمهور.
فجأة، ظهرت على الشاشة الكبيرة وراها صورة لبنت سمينة، لابسة حجاب ونضارة، وواقفة قدام الكاميرا بابتسامة خجولة.
ملامح الصورة كانت مألوفة بشكل مرعب.
منال قالت
دي صورتي من سنتين.
وبدأت تعرض صور تانية ليها، كانت فيها بنفس الوزن تقريبًا، وفي كل صورة كان باين عليها الخجل والتردد.
وقالت
أنا كنت وقتها عندي خمسة وعشرين سنة، طبيبة، وبكمل دراساتي العليا. أمي كانت مريضة، وكانت أمنيتها الوحيدة إنها تشوفني متجوزة ومطمنة عليا. ولأني كنت خاېفة عليها، دخلت موقع للزواج،
واتعرفت على شخص وافقت أقابله على أمل إننا نكون مناسبين لبعض.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كل كلمة كانت بتقولها رجعتني بالذاكرة لليوم المشؤوم في الكافيه.
وبعدين قالت
الشخص ده أول ما شافني، مرفضنيش وبس، ده قرر يهينني قدام كل الموجودين. ضحك عليا، وسخر من شكلي، وقال لي بالحرف الواحد…
وفجأة، سكتت، وأشارت لواحد من المنظمين.
اشتغل تسجيل صوتي في القاعة.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها صوتي، حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
بالذمة إنتي عايزة تتجوزي بمنظرك ده؟! لا.. ده إنتي عندك أمل بقى وجايه تقابليني كمان؟!
وبعدها جه صوتي تاني، أوضح وأقسى
أنا عايز عروسة مش شوال قطن! روحي يا حبيبتي ربنا يحنن عليكي!
التسجيل كان كامل تقريبًا، حتى صوت
ضحكي، واعتراضها، وكلامي
القاعة كلها سكتت.
وبعدين بدأ الناس يلتفتوا ناحيتي، وعيونهم مليانة صدمة ورفض.
حسيت بوشي بيحرقني، وإيدي بتترعش، ومبقتش عارف أرفع عيني في وش حد.
منال رجعت تتكلم، وصوتها كان ثابت رغم إن عينيها لمعت بالدموع.
أنا يومها روحت بيتي وأنا حاسة إني أقل من كل الناس. فضلت أسأل نفسي هو أنا فعلًا مش من حقي أحب وأتحب؟ هو وزني معناه إني إنسانة أقل؟ هو تعليمي ونجاحي وأخلاقي كلهم ملهمش قيمة عشان شكلي مش عاجب شخص غريب؟
مسحت دمعة نزلت على خدها، وكملت
بس بعد الصدمة، قررت إني مش هسيب تجربة زي دي تدمرني. قررت أهتم بصحتي ونفسي، وأتعلم إزاي أحب نفسي وأبطل أخلي كلام الناس يحدد قيمتي.
بدأت تظهر صورها خلال السنتين اللي فاتوا، من غير مبالغة ولا تغييرات غير منطقية، لكن واضح إنها اهتمت بصحتها ولياقتها ومظهرها، وبقت واثقة من نفسها بشكل مختلف تمامًا.
وقالت
التغيير مكنش سهل. أخدت وقت طويل، واشتغلت على صحتي، والتزمت بنظام مناسب ليا، ومارست الرياضة، والأهم إني بدأت أتعلم إزاي أتعامل مع نفسي برحمة بدل ما أفضل ألومها.
وبعدين بصت للشاشة وقالت
لكن عايزة أوضح حاجة مهمة. أنا مش واقفة هنا عشان أقول إن الإنسان لازم يخس عشان يستحق الاحترام. أنا كنت أستحق الاحترام وأنا بالوزن القديم، ولسه أستحقه دلوقتي، وأي إنسان مهما كان شكله يستحق المعاملة الكريمة.
الكلام ده خلى ناس كتير تصفق لها بحرارة.
أما أنا فكنت واقف مكاني، حاسس إن كل كلمة بتتقال بتكشف جزءًا من حقيقتي قدام الناس.
وفجأة، منال ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
أما بقى الأستاذ عماد، فأنا عايزة أشكره.
رفعت عيني ناحيتها پصدمة.
كملت كلامها
أيوه، أشكره، لأنه من غير ما يقصد، خلاني أبدأ رحلة تغيير حياتي. كلماته كانت قاسېة جدًا، لكن بدل ما أعيش طول عمري أسيرة ليها، قررت أحول الۏجع لدافع.
وبعدين أضافت بنبرة أقوى
لكن ده مش معناه إني سامحته على الإهانة، ولا معناه إن التنمر ممكن يكون مبرر عشان حد يتغير. أنا اتغيرت بإرادتي، مش لأن كلامه كان صح. والفرق كبير بين إنك تنصح إنسان باحترام،
بعدها ظهرت على الشاشة صورة كبيرة ليا وأنا واقف على المسرح من شوية، وتحتها عبارة مكتوبة
هل نحاسب الناس على كلامهم فقط، أم على أفعالهم أيضًا؟
منال بصت للحضور وقالت
الشخص اللي سمعتوا صوته دلوقتي هو نفسه الشخص اللي طلع من شوية يقول إن قيمة الإنسان مش في شكله. وأنا مش هطلب منكم تكرهوا عماد، ولا هطلب منكم تهينوه زي ما أهانني. أنا بس عايزاكم تفتكروا إن الكلام مسؤولية، وإن اللي بيطالب الناس بالأخلاق لازم يبدأ بنفسه.
وبعدين سابت الميكروفون، ونزلت من على المسرح وسط تصفيق قوي.
وقتها، مقدرتش أستحمل.
جريت وراها وسط الممر الجانبي، ولحقتها قبل ما توصل لباب القاعة.
ناديت عليها
منال! استني، لو سمحتي!
وقفت وبصت لي، ولأول مرة شفت في عينيها نفس البنت اللي كانت واقفة قدامي في الكافيه، لكن المرة دي مفيش خوف ولا ارتباك.
قلت لها وأنا بحاول أتماسك
إنتي إزاي تعملي فيا كده؟! إنتي خططتي لكل ده من الأول؟
بصت لي باستغراب مصطنع وقالت
أعمل فيك إيه يا أستاذ عماد؟ أنا حكيت تجربتي الحقيقية، وشغلت تسجيل حقيقي لصوتك. هو إنت زعلان عشان الناس سمعت الكلام اللي إنت بنفسك قلته؟
قلت بعصبية
كان ممكن تيجي تتكلمي معايا بيني وبينك! مش تفضحيني بالشكل ده قدام الناس كلها!
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة وقالت
زي ما إنت كان ممكن ترفضني بيني وبينك، بدل ما تضحك عليا قدام الكافيه كله؟ فاكر لما طلبت منك تحترمني، وإنت فضلت تهينني؟ وقتها مكنتش فارق معاك مين سامعك، صح؟
حاولت أبرر موقفي وقلت
أنا كنت غلطان، ومعترف بكده، بس إنتي كمان كان عندك فرصة تتكلمي معايا قبل المؤتمر.
قربت مني خطوة، وقالت بحدة
وأنا كنت هتكلم معاك ليه؟ عشان أديك فرصة تشرح لي إنك كنت بتهزر؟ ولا عشان أسمع منك إنك مكنتش تقصد؟ أنا سمعتك كويس يومها، وشفت نظرتك ليا، وعرفت إن المشكلة مكنتش في وزني، المشكلة كانت في طريقتك اللي بتقيس بيها قيمة الناس.
حاولت أقول
بس أنا فعلًا اتغيرت، وبقيت بساعد الناس، والجمعية دي…
قاطعتني وقالت
الجمعية بتساعد الناس فعلًا، وده شيء كويس. لكن إنت كنت بتتكلم
اتجمدت مكاني.
ملقتش إجابة.
هي كملت
إنت كنت عايز تقعد معايا، وكنت معجب بيا، وعامل نفسك مهتم برأيي، لأنك شايفني جميلة. لكن لو كنت شفت صورتي القديمة قبل ما تكلمني، كنت هتديني نفس الفرصة؟
حاولت أتكلم، لكن الكلام وقف في زوري.
لأن الحقيقة كانت واضحة، حتى لو مكنتش عايز أعترف بيها.
منال هزت راسها وقالت
عارف إيه أكتر حاجة بتوجعني؟ مش إنك رفضتني، لأن من حقك تختار شريكة حياتك اللي تناسبك. اللي وجعني إنك افتكرت إن حقك في الاختيار يديك الحق تهين إنسان تاني. كان ممكن تقول مش مناسبين لبعض، وتمشي باحترام. لكنك اخترت تضحك وټجرح.
وبعدين بصت لي نظرة أخيرة وقالت
أنا مش محتاجة منك اعتذار عشان أكمل حياتي، ولا محتاجة أثبت لك إني أستحق الحب. أنا عارفة قيمتي كويس دلوقتي، ودي حاجة إنت عمرك ما هتقدر تسلبها مني.
قلت لها بصوت ضعيف
منال، أنا آسف. والله أنا ندمان.
ردت ببرود
اتمنى تكون ندمان فعلًا، مش بس عشان الناس شافت حقيقتك.
وبعدين سابتني ومشيت.
فضلت واقف مكاني، وبعد ثواني رجعت القاعة وأنا حاسس إن كل العيون بتلاحقني.
ناس كانت بتبص لي بقرف، وناس بتتهامس، وناس كانت بتواجهني بكلام مباشر.
واحد من الحضور قال لي
إزاي بتتكلم عن احترام الناس وإنت عملت كده؟
ومقدرتش أرد.
بعد وقت قصير، طلب مني المسؤولون عن الجمعية أقعد معاهم في اجتماع عاجل. قالوا إن التسجيل اللي اتعرض كشف تناقضًا خطيرًا بين الرسالة اللي الجمعية بتقدمها وتصرفاتي الشخصية، وإنهم مضطرين يوقفوا مشاركتي في أنشطتها لحد ما يراجعوا الموقف.
وفي النهاية، اتاخد قرار باستبعادي من تمثيل المبادرة، وفقدت مكاني اللي كنت فخور بيه.
خرجت من المؤتمر وسط نظرات خلتني أتمنى لو الأرض تنشق وتبلعني.
لكن الأصعب من كل ده، إني كنت عارف إن البنت اللي أعجبت بيها من أول لحظة، واللي كنت متحمس أقعد معاها وأعرف عنها أكتر، هي نفسها البنت اللي أذيتها بإيدي من
والفرصة اللي كنت فاكر إني ممكن أحصل عليها بسهولة، انتهت قبل حتى ما تبدأ.
بعد المؤتمر، حاولت أتواصل معاها، لكن منال رفضت أي مقابلة. بعت لها رسالة اعتذار طويلة، وطلبت منها تسمعني، لكنها ردت بكلمتين بس
أتمنى تكون اتعلمت الدرس. من فضلك متحاولش تتواصل معايا تاني.
وقتها حسيت بندم عمري ما حسيته قبل كده.
مش بس عشان خسړت سمعتي، ولا عشان اتطردت من المبادرة، لكن عشان اكتشفت إن الإنسان ممكن يضيع من إيده فرصة إنه يكون شخص أحسن، لمجرد إنه افتكر نفسه أفضل من غيره.
فضلت أيام طويلة أراجع كل كلمة قلتها لمنال في الكافيه، وكل ضحكة سخرت بيها منها، وكل نظرة احتقار بصيت لها بيها.
وفهمت إن المشكلة مكنتش إنها سمينة، ولا إنها مش على ذوقي. المشكلة إني كنت شايف نفسي أعلى منها، وافتكرت إن نجاحي وفلوسي وشكلي يدوني الحق أحكم على الناس وأكسر خاطرهم.
والحقيقة اللي وجعتني أكتر من أي حاجة، إني لما قابلتها بعد سنتين، مكنتش أعرف إنها هي، ولما افتكرتها بنت جميلة، حسيت إني عايز أتعرف عليها وأقرب منها.
يعني إيه؟ يعني أنا نفسي كنت بحكم على الناس من مظاهرهم، بالضبط زي ما كنت بطلع على المسرح وأقول للناس إن ده غلط.
ومن يومها، بقيت أفهم إن الاعتذار مش بيمسح كل حاجة، وإن الندم مش معناه إن الشخص اللي أذيته لازم يسامحني أو يديني فرصة تانية.
منال كان من حقها تكمل حياتها من غير ما ترجع للماضي، ومن حقي أنا أتعلم من غلطتي وأحاول أصلح نفسي.
وبعد شهور، بدأت أشارك في أعمال خيرية من غير ما أظهر قدام الكاميرات، واشتغلت على نفسي بجد، واتعلمت أسمع الناس وأحترم اختلافهم، بدل ما أتكلم عن المبادئ وأنا مش بطبقها.
لكن مهما عملت، عمر ما اللي حصل في المؤتمر هيتنسي من ذاكرتي.
لأن أسوأ عقاپ ليا مكنش إن الناس عرفت حقيقتي، لكن إني بقيت عارفها أنا كمان.
وأوقات كتير كنت بتخيل لو إني يومها في الكافيه كنت ابتسمت لمنال وقلت لها بكل احترام إننا مش مناسبين لبعض، أو حتى كنت عاملتها كإنسانة ليها مشاعر
وكرامة، كان ممكن كل ده ميتحصلش.
ويمكن لو كنت اديتها فرصة أعرف شخصيتها من غير ما أركز على شكلها، كنت اكتشفت بنت عندها عقل وقلب وإرادة تستحق الاحترام.
لكن أنا اخترت السخرية بدل الاحترام، والتكبر بدل الإنسانية، ودفعت تمن اختياري.
ومن يومها، كل ما أسمع حد بيتريق على شخص بسبب وزنه أو شكله، بفتكر منال، وبفتكر الجملة اللي قالتها لي قبل ما تمشي
كان ممكن ترفضني باحترام، لكن الظاهر إن معندكش ريحة الاحترام.
وقتها كنت فاكرها مجرد بنت مکسورة بتحاول تدافع عن نفسها.
لكن بعد سنتين، اكتشفت إنها كانت أقوى مني بكتير.
وعرفت أخيرًا إن الإنسان مش بيتقاس بشكله، وإن اللي بيقلل من قيمة غيره عشان مظهره، ممكن ييجي عليه يوم يكتشف إن العيب الحقيقي كان جواه هو.