في سن الثانية والسبعين

​لكن، كانت هناك لحظات مريبة.

مرة، وكنا في مطعم، ضرب رجل مسن عادل على كتفه قائلاً: “يا عادل! مش معقول.. بقالنا كام؟ 25 سنة؟ أخبارك إيه يا راجل؟”

​تصلب عادل في مكانه لثانية واحدة، لكنني رأيت الخوف يلمع في عينيه قبل أن يرسم ابتسامة مصطنعة: “عايزني ألخص لك 25 سنة في جملة واحدة؟”

ضحك الرجل: “عادل طول عمرك مابتتغيرش”.

لكن عادل طلب الحساب بسرعة فائقة، لدرجة أننا لم نطلب التحلية.

​في الطريق سألته: “مين ده؟ وليه كنت مستعجل كدة؟”

تردد عادل ثم قال: “ده شخص رغاي وممل، وعشان كدة مكلمتوش من 25 سنة”.

مررت الموقف.. وهذا ما يخجلني الآن، كم كنت ساذجة.

​بعد سنة، عرض عليّ عادل الزواج. قال وهو يمسك يدي: “إحنا معندناش الوقت اللي الشباب فاكرين إنه عندهم.. مش عايز أضيع يوم من غيرك، تتجوزيني يا كريمة؟”

وافقت والدموع في عيني. في سن الثانية والسبعين، حين يطرق الفرح بابك، لا تتركه ينتظر في الخارج.

​قبل الزفاف بأسبوع، وجدتني ليلى وحدي في المطبخ.

سألتني وهي تعبث بأصابعها بتوتر: “إنتِ فعلًا تعرفي بابا كويس؟”

أجبتها: “على قد ما بنعرف بعض كبشر”.

قالت بصوت خفيض: “أرجوكِ ما تاخديش كلامي باستخفاف.. هو عمره حكى لك عن—”

وقبل أن تكمل، دخل عادل وهو يحمل عينات من دعوات الفرح.

سأل: “أنا قاطعت حاجة؟”

قالت ليلى بسرعة: “لا.. أنا لازم أمشي”.

​ولم أرها ثانية.. إلا في يوم الزفاف.

​كان الحفل صغيرًا في حديقة منزله. كان يبدو وسيمًا في بدلته الكحلية، وكنت أرتدي فستانًا سكريًا وقورًا. كنت أشعر بالحماس كأنني مراهقة. وهذا أكثر ما يؤلمني الآن.

​”أنا موافقة”، قلتها قبل أن ينهي المأذون كلمته.

ضحك المعازف وابتسم عادل.

وفي لحظة.. أصبحت زوجة مرة أخرى.

​لكن ليلى كانت تقف بعيدًا، تراقبني بوجه متصلب يعتصره الألم.

لم أستطع تجاهلها أكثر من ذلك. ذهبت إليها وقلت: “ليلى، لازم نتكلم”.

قالت بهدوء: “أنا كمان شايفة كدة”.

​بمجرد أن انفردنا، انهار قناع الجمود على وجهها.

قالت والدموع تملأ عينيها: “إنتِ ست طيبة يا طنط كريمة.. وأنا خايفة عليكي. أبويا بيكذب عليكي.. هو مش الشخص اللي بيقول إنه هو. الشخص اللي إنتِ اتجوزتيه النهاردة مات من 20 سنة! تعالي معايا المخزن تحت.. وأنا هوريكي الحقيقة بالدليل”.

​​لم أنطق بكلمة واحدة.

​لوهلة، وقفت مكاني أنظر إليها، أحاول أن أفهم.. هل هذا الذي أراه في عينيها خوف؟ أم غضب؟ أم شيء آخر؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *