بعد طلاقي بخمس شهور

 

 

وصلنا المستشفى في وقت ما كان الليل ساكت بشكل يخوف.

الطرقات بيضا وباردة، وريحت المطهرات خانقة، وكل خطوة كأنها بتدق جوه صدري.

 

مريم كانت ماشية ببطء، وإيديها ماسكة بطنيها كأنها بتحاول تهدي الطفلين بنفسها.

 

أول ما دخلنا، الممرضة أخدتها بسرعة للفحص.

وأنا؟

فضلت واقف برا الأوضة، لأول مرة في حياتي حاسس إني عاجز بالشكل ده.

 

كل ثانية كانت طويلة.

 

سمعت صوت الأجهزة من جوه.

صوت الدكتور.

وصوت مريم الواطي وهي بتحاول تسأل حاجة مش سامعها.

 

وبعدين الباب اتفتح.

 

الدكتور خرج، ووشه هادي بشكل خلاني أخاف أكتر.

 

قالي: — إحنا محتاجين نتصرف بهدوء… واحد من التوأم نبضه بينزل ويرجع يطلع، وفي احتمال نحتاج تدخل سريع لو الوضع ما استقرش.

 

حسيت الدنيا بتلف.

 

سألته بسرعة: — يعني في خطر؟

 

بصلي لحظة، وقال: — لسه بدري نقول… بس الضغط النفسي والإرهاق مأثرين جدًا.

 

بصيت من ازاز الأوضة على مريم.

كانت مغمضة عينيها، وإيديها فوق بطنها، ووشها مرهق بشكل عمري ما شفته.

 

وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة:

 

الخوف الحقيقي مش إنك تخسر حد.

الخوف الحقيقي إنك تكون اتأخرت في حبه.

 

دخلت لها بهدوء.

فتحت عينيها أول ما حسّت بيا.

 

قربت منها وقلت: — أنا هنا.

 

بصتلي ثواني طويلة، وكأنها بتتأكد إني مش هختفي.

 

وبعدين سألتني بصوت مكسور: — لو حصل حاجة… هتكرهني؟

 

الكلمة قطعتني.

 

قربت أكتر وقلت بسرعة: — متقوليش كده.

 

دموعها نزلت أخيرًا. — أنا تعبت يا كريم… تعبت من الخوف.

 

مسكت إيديها لأول مرة من شهور من غير تردد. — خلاص… شيلنا الخوف لوحدنا كتير.

 

سكتت. وبعدين همست: — خايفة أخسرهم.

 

هزيت راسي وأنا بحاول ما انهارش: — وإحنا هنفضل جنبهم… مهما حصل.

 

فضلت ماسك إيديها طول الليل.

 

لا أنا نمت.

ولا هي.

 

كل شوية الدكتور يدخل يطمننا، وكل مرة كنت ببص على الشاشة الصغيرة اللي فيها نبض طفلين لسه ما شافوش الدنيا.

 

وفجر اليوم اللي بعده…

الدكتور دخل أخيرًا بابتسامة خفيفة.

 

قال: — النبض استقر.

 

أول ما سمعتها، حسيت رجليا ضعفت فعلًا.

 

مريم غمضت عينيها وبكت.

وأنا ضحكت وسط دموعي لأول مرة من سنين.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *