صوت المديرة كان مخنوق ومخطوف:
«يا مدام علا… لازم تيجي المدرسة فوراً».
قلبي وقع في رجلي:
«خير يا فندم؟ علي جراله حاجة؟»
حصل سكتة على الخط لثواني.. بعدين صوتها وطي خالص:
«في رجالة هنا في المكتب واقفين وبيسألوا على ابنك بالاسم».
نفسي اتقطع:
«رجالة مين؟»
«قوات مسلحة.. ضباط بزي عسكري».
**جيش.**
إيدي بدأت تترعش لدرجة إن الموبايل كان هيقع مني.
من تلات سنين فاتوا، دفنت جوزي، الرائد أحمد، بعد ما استشهد في مأمورية في سينا. ومن وقتها، وضربات الباب القوية أو رؤية البدلة العسكرية في أوقات مش متوقعة بقت بتخلي حِمل الدنيا كله ينزل على صدري ويخنقني.
علي كان عنده 9 سنين بس لما خسر أبوه.
في حاجة جواه اتغيرت من يومها.. بقى هادي زيادة عن اللزوم، وحنين قوي. من نوعية العيال اللي تاخد بالها لو في طفل قاعد لوحده في الحوش ومحدش بيكلمه، والجدع اللي يفضل واقف بعد الحصة يساعد الفراش في تلميم الكراسي من غير ما حد يطلب منه.
والأهم.. إنه من نوعية الناس اللي مستحيل تسيب صاحبها وراها.
### الرحلة المشؤومة
الأسبوع اللي فات، المدرسة أعلنت عن رحلة تتبع وتسلق في محمية وادي الحيتان بالفيوم. الأولاد كانوا هيتجننوا من الفرحة ومتحمسين بقالهم أيام.
بس ليلة الرحلة، علي رجع البيت ساكت على غير عادته.
وقف في المطبخ وهو بيفرك حزام شنطته في إيده بتوتر:
«سيف مش هيعرف يجي معانا يا ماما».
سيف ده صاحبه الروح بالروح، وقاعد على كرسي متحرك من يوم ما اتولد. ولد ذكي جداً، دمه خفيف، ومهووس بمجلات ميكي وقصص البطولات العسكرية القديمة. بس هو خلاص اتعود من صغره يسمع تبريرات الكبار عن ليه هو بالذات مينفعش يشارك في أي حاجة.
علي همس بحزن:
«المشرفين قالوا إن مدقّات المحمية والرملة خطر عليه والكرسي هيغرز».
أنا افتكرت إن الموضوع خلص لحد هنا.. بس طلعت غلطانة.
### ستة كيلو متر فوق الرمل والصخر
الأتوبيسات رجعت المدرسة حوالي الساعة 7 بالليل.
أولياء الأمور كانوا ماليين الحوش، والهوا البارد بتاع مغربيتها كان بيطير التراب في المكان.
وفجأة شفت ابني نازل من الأتوبيس.
قميص المدرسة كان غرقان عرق، وركبه الاتنين متبهدلين طين وتراب، ووشه كان باهت ومخطوف من التعب..