ابن البطل

 

سيف بص لعلي وقال بخجل: «أول مرة أحس إني مش عبء».

 

وعندها… علي زعق فيه بعصبية طفولية: «ما تقولش الكلمة دي تاني!»

 

المكتب كله سكت.

 

الولد كمل وهو متضايق بجد: «إنت صاحبي… والصحاب ما بيتسابوش».

 

القائد العسكري قام واقف تاني، وبعدها فتح علبة صغيرة مخملية كان شايلها معاه.

 

طلع منها ميدالية معدنية عليها شعار القوات المسلحة.

 

وقال: «دي مش وسام رسمي… لكنها حاجة خاصة جداً. كنا مخصصينها لوالدك بعد آخر مأمورية، لكن والدتك رفضت وقتها أي تكريم لأنها كانت منهارة من الحزن».

 

بصلي بعين هادية: «يمكن النهارده بقى الوقت المناسب».

 

ومد الميدالية لعلي.

 

إيد ابني الصغيرة اترعشت وهو بياخدها.

 

لكن اللي كسرني فعلاً… إنه رفع عينيه لصورة أبوه المعلقة على الحيطة في مكتب المديرة — صورة كانت المدرسة حطاها ضمن صور الشهداء — وهمس بفخر طفولي موجوع:

 

«شوفت يا بابا؟… أنا مسبتش صاحبي».

 

في اللحظة دي… محدش في المكتب قدر يتمالك نفسه.

 

حتى الضابط الكبير، الراجل اللي وشه كان أصلب من الصخر طول الوقت، لف وشه بسرعة ومسح عينه بكف إيده.

 

أما أنا… فكنت ببص لابني وكأني بشوف أحمد واقف قدامي من جديد.

 

نفس النظرة. نفس النبرة. حتى الطريقة اللي كان واقف بيها وهو بيحاول يداري إحراجه… كانت نسخة من أبوه.

 

القائد أخد نفس طويل وقال: «إحنا النهارده مش هنا عشان نحقق أو نلوم. إحنا هنا عشان نقول إن البلد دي لسه بخير طول ما فيها أطفال زي ابنك».

 

بعدها بص للمديرة بجدية: «والولد ده لازم يتكرم قدام المدرسة كلها».

 

المشرفة اللي كانت معترضة امبارح وطول الوقت بتتكلم عن “مخالفة التعليمات” نزلت عينيها في الأرض من الكسوف.

 

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.

 

أبو سيف اتقدم خطوة وقال بتردد: «في حاجة لازم تتقال».

 

كل الناس بصتله.

 

قال بصوت مكسور: «سيف داخل عملية كبيرة الشهر الجاي… عملية برّه مصر. وإحنا بعنا تقريباً كل حاجة نملكها علشان تكاليف السفر والعلاج… ولسه ناقص مبلغ كبير».

 

سيف بسرعة بص لأبوه بعصبية: «بابا خلاص بقى…»

 

لكن الراجل كمل: «أنا مكنتش هقول… بس بعد اللي ابن الست دي عمله، حسيت إن ربنا باعتلنا الناس دي لسبب».

 

المكتب سكت تماماً.

 

القائد العسكري بص للضباط اللي وراه… وبعدها من غير أي كلام، واحد ورا التاني بدأوا يطلعوا محافظهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *