ابن البطل
أنا بقى.. الدم هرب من عروقي ووشي جاب ميت لون ولون..
لأن ورا الضباط دول كلهم، كان واقف راجل أنا عارفاها وملامحه محفورة في قلبي..
ده القائد بتاع جوزي الشهيد، اللي كان واقف بيواسيني في جنازته العسكرية من تلات سنين فاتوا!
القائد العسكري أخد خطوتين لقدّام… وعينيه مثبتة على علي كأنه شايف حد تاني، حد من الماضي.
وبعدين وقف قدامه مباشرة.
علي بلع ريقه وبصلي بخوف صغير مستخبي في عينيه: «أنا عملت حاجة غلط يا ماما؟»
لكن قبل ما أجاوب…
الراجل العسكري فرد جسمه كله فجأة… ورفع إيده بالتحية العسكرية الكاملة قدام ابني.
المكتب كله اتجمد.
المديرة شهقت بصوت مسموع. والمشرف اللي كان بيزعق امبارح فتح بقه ومبقاش عارف ينطق.
أما أنا… فحسيت رجليا مش شيلاني.
القائد قال بصوت ثابت، لكنه متأثر: «أبوك كان واحد من أشجع الرجالة اللي خدمت معاهم في حياتي… ويبدو إن الشجاعة دي انتقلت لابنه».
علي بص حواليه بتوتر: «أنا بس… مكنتش عايز أسيب سيف لوحده».
ساعتها ضابط تاني، كان شعره كله أبيض تقريباً، مسح على وشه وهو بيبتسم بحزن: «نفس الجملة اللي أبوك قالها في آخر مأمورية ليه».
قلبي وقف.
بصيت للراجل وأنا حاسة إن أنفاسي بتتسحب مني.
القائد كمل بهدوء: «في الهجوم اللي استشهد فيه الرائد أحمد… كان قدامه فرصة ينسحب مع القوة الأساسية. لكن واحد من الجنود اتصاب واتعطل وراهم. أبو علي رفض يتحرك ويسيبه… وشاله بنفس الطريقة اللي ابنه عملها مع صاحبه».
الدموع غرقت عيني قبل ما أقدر أقاومها.
وعلي واقف ساكت… مش فاهم ليه كل الرجالة دي باصاله بالشكل ده.
القائد نزل على ركبة قدامه علشان يبقى في نفس طوله، وقال: «أبوك كان بطل يا علي… وإنت امبارح أثبت إن البطولة مش رتب ولا سلاح. البطولة إنك متخذلش اللي محتاجك».
علي همس بصوت صغير: «هو… بابا كان هيعمل كده برضه؟»
الضابط ابتسم لأول مرة: «هو عملها فعلاً».
وفي اللحظة دي، باب المكتب اتفتح تاني.
دخل سيف على كرسيه المتحرك… ومعاه والده.
الولد أول ما شاف علي، عينيه احمرت فوراً، وقال بصوت مخنوق: «إنت غبي… كنت هتقع بينا».
علي ضحك أخيراً: «بس موقعناش».
أبو سيف، وكان راجل بسيط لابس جلابية صعيدي، قرب مني وهو بيحاول يستخبى من دموعه: «ابنك يا مدام علا… رجّع لابني إحساس كان فاقده من سنين. سيف طول عمره فاكر إنه حمل على الناس… امبارح رجع البيت وهو بيقولي: أنا عندي صاحب مستعد يشيلني فوق ضهره عشان أشوف الدنيا».

