انا وسلفتي ١
روماني مكرم
ومع دقات الساعة الرابعة عصرًا، اهتزت الشوارع المحيطة ببيت العائلة بصوت محركات قوية ومستمرة. خرج الجيران إلى الشرفات، ونظرت حماتي وسلفتي من نافذة الطابق الأرضي بصدمة وذهول؛ حيث اصطف أمام بوابة البيت الكبير طاقم سيارات فارهة من أحدث الموديلات السوداء، نزل منها رجال يرتدون حُلاً رسمية أنيقة، وفتحوا الأبواب الخلفية لثلاثة رجال يفيضون هيبة ووقارًا. كانوا أولاد خالتي: طارق، وعاصم، وماجد.. بشوات القاهرة الحقيقيين الذين تتحدث عنهم وعن شركاتهم كبرى قطاعات المال والأعمال.
دلف الثلاثة إلى داخل البيت الكبير بخطوات واثقة، تتبعهم حراسة شخصية خفيفة تحمل الهدايا والمظاريف. نزل زوجي كريم مسرعًا من الشقة بعد أن رأى المشهد من البلكونة، ووقف مذهولاً يرحب بهم وهو لا يصدق أن هؤلاء العمالقة هم أقارب زوجته رشا. استقبلتهم حماتي بملامح مخطوفة، وقد تلاشت ضحكتها الساخرة وحلت محلها نظرات الخوف والارتباك، في حين وقفت سلوى مذهولة تنظر إلى ملابسهم وساعاتهم الفاخرة التي تساوي ثمن شقتها بأكملها.
جلس أولاد خالتي في الصدر، وبدأ طارق الحديث بنبرة قوية ملأت القاعة هيبة: “أهلاً يا حاج كريم، مبروك الزواج. إحنا عاتبين على رشا ومامتها لأنهم ما بلغوناش بميعاد الفرح، رشا مش مجرد بنت خال، دي ابنة الغالي، ولحمها لحمنا، والظاهر إن انشغالنا بإدارة شركاتنا وسفرنا برة مصر خلا البعض يفتكر إن مالهاش ضهر.. بس إحنا جينا النهاردة عشان نقوم بالواجب اللي فاتنا ونعرف الكل مكانة رشا عندنا.”
أشار طارق بيده، فتقدم أحد الحراس ووضع أمام رشا علبة قطيفة فاخرة. فتحها طارق ليتلألأ في وسط القاعة طقم ذهب عيار 24 مرصع بالألماس الحر، صُنع خصيصًا لها، وقال: “دي هدية بسيطة من أخوكِ الكبير طارق.” ثم تقدم عاصم ووضع علبة أخرى تحتوي على غوايش ذهبية ثقيلة من أرقى التصاميم وقال: “وده ذهب من أخوكِ عاصم.” وتلاهما ماجد الذي قدم علبة قطيفة ثالثة بها كوليه ذهبي مرصع يتلألأ يخطف الأبصار وقال: “وده من أخوكِ ماجد.. عشان تعرفي إن قيمتك عندنا أغلى من الذهب نفسه.”
كانت حماتي تبتلع ريقها بصعوبة، وعيناها تكاد تخرجان من جحرهما وهي ترى أكوام الذهب والألماس التي تخطت بمراحل كل ما تملكه سلوى وعائلتها. أما سلوى، فقد اصفرّ وجهها ونكست رأسها أرضًا، وبدأت تخفي يديها تحت عباءتها خجلاً من ذهبها الذي بات يبدو ضئيلاً وبسيطًا أمام هذا البريق الطاغي.