انا وسلفتي ٣

>

انهمرت الدموع من عيني أمي بغزارة، ورفعت يدها إلى السماء تدعو لهم وهي لا تصدق أن الله قد عوض صبر وشقاء السنين بهذا الفرج العظيم. أما أخي، فقد شعر وكأن جبالاً من الهموم قد انزاحت عن كتفيه، وقام ليعانق أولاد خالته وهو يشكر الله على هذا السند الذي ظهر في الوقت المناسب ليغير مسار حياتهم بالكامل من الضيق إلى القصر والجاه.

قال ماجد مبتسمًا وهو يربت على كتف أخي: “ارفع راسك يا صاحبي، إحنا عيلة واحدة ولحمنا واحد، واليوم ده هو بداية النور لينا كلنا.”

وفي تلك الأثناء، كنت أنا وزوجي كريم في بيت العيلة نجمع أغراضنا وسط نظرات الرعب والندم التي تلاحقنا من شقة حماتي وسلفتي سلوى، مستعدين للانتقال إلى حياتنا الجديدة في القاهرة حيث ينتظرنا الأهل والملك والجاه.. ولكن، كيف ستكون المواجهة الأخيرة بيني وبين حماتي وسلفتي عندما يعلمون بامتلاك أمي وأخي للقصر الجديد وانضمام أخي لأكبر شركات العاصمة؟

مع اقتراب موعد رحيلنا إلى القاهرة، تحول الهدوء الحذر في بيت العيلة إلى بركان يغلي. كانت حماتي الحاجة فاطمة تشعر بالأرض تسحب من تحت قدميها؛ فابنها “كريم”، الذي كانت تظن أنها ستمتلك زمام أمره وتجعله في خدمة أخيه الأصغر وسلفتي الغنية، أصبح على أعتاب حياة الملوك والأعمال بفضل ورث عائلتي وسند إخوتي البشوات.

وفي صباح أحد الأيام، وبينما كنت أضع اللمسات الأخيرة في حقائبنا داخل الشقة، انفتح الباب الخارجي بقوة ودخلت حماتي وعيناها تشتعلان غيظًا، وخلفها كانت تقف سلفتي سلوى بنظرات خبيثة تترقب المشهد وتشحن صدر حماتي بالنيران.

وقفت حماتي في منتصف الصالة، وضربت بصرامتها الأرض وصاحت بصوت عالٍ هز أرجاء المكان: “جرى إيه يا ست رشا؟ شايفاكي عمالة تلمي في الشنط وترتبي وتخططي على كيفك! إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ افتكري كويس إنك داخلة البيت ده بشنطة هدومك، والبيت ده له كبِير، وأنا بقولهالك كدة على بلاطة: ابني مش هيسافر القبلة دي، ومش هيسيب بيت أبوه وعيلته عشان يروح يشتغل خدام عند أولاد خالتك!”

خرج كريم من الغرفة على صوت أمه المرتفع، وبدت على وجهه علامات الضيق والأسف، وقال بهدوء: “يا ماما، حرام عليكي اللي بتقوليه ده. أولاد خالتها مش هيشغلوني خدام، دول ميزوني وعملوا لي مقام، وهيشاركوني برأس مال ورث رشا وأمها في أكبر شركات القاهرة.. دي طاقة قدر واتفتحت لنا، ليه عايزة تقفي في طريقي وطريق مراتي؟”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *