جوزى طلقنى غيابى واختفى وسابلى طفلين اربيهم وقررت وقتها أعمل مشروع من بيتى كنت بعمل اكل وابيعه بس كنت بعمل بالطلب وبدأت اتعرف وكان مكسبى يا دوب بيكفى اكل وشرب للاولاد فى مره لقيت واحده بتكلمنى وطلبت منى اكل لعزومه وقتها فرحت واخدت طلبها وقالتلى عايزاها بعد يومين و كانت وفعلاً جهزت اكل العزومه وسبت الولاد مع ماما واروحت اوصلها وصلت البيت الشغاله فتحتلى الباب وطلبت منى ادخل الاكل المطبخ وفعلاً بقيت انقل الاكل وادخله المطبخ وصاحبه العزومه جاتلى وطلبت منى ارص الاكل فى اطباق واجهزه بنفسى عشان يبقى شكل الاكل حلو وقتها كنت بسمع كلامها لحد ما تحاسبنى عشان ارجع لاولادى ومعايا فلوس جهزت كل حاجه ونقلتها على السفره وكانوا الضيوف موجودين بس فى وسط الزحمه لفت نظرى صوت زى صوت طليقى دورت بعينى لقيته هو واقف جمب الست صاحبه العزومه وحاضنها من وسطها وبيهمس فر ودنها وهى بتضحك بصيت لشكلها ولبسها اللى من اغلى الماركات والالماظ فى اديها وهو واقف جمبها لابس بدله وقتها لقيت ضربات قلبى عليت غصب عنى سألت الخدامه اللى كانت بتساعدنى هو ده جوزها ردت الشغاله بمنتهى العفويه ـ أه جوزها ده رجل أعمال بدأ من الصفر واللى اعرفه انها كانت السكرتيره بتاعته عارفه لو شوفتيها اول ما اشتغلت هنا كان شكلها عامل ازاى ودلوقتي ازاى مش هتصدقى فضلت بصاله والدموع اتملت فى عينى بقى هو ده اللى ضحيت بشبابى عليه دى جزاتى يرمينى بعيالى مش لاقيين اللقمه وهو هنا بيعمل عزايم سايب ولاده وبيجرى ورا واحده تانيه خدته على الجاهز افتكرت وقتها دهبى اللى اخده منى بحجه انه عايز يفتح مشروع وبعد ما اخده اختفى هو ده الدهب الى حلف يعوضنى بيه راح يجيبه بس الماظ لواحده تانيه مشيت خطوتين لورا وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا، المطبخ كان هو المهرب الوحيد ليا قبل ما حد يلمح دموعي اللي نزلت غصب عني. دخلت المطبخ بسرعة وسندت بضهري على الحيطة، حاطة إيدي على بوقي عشان مطلعش صوت عياطي والناس برة عايشة في الفرحة والضحك. كنت بنهج وكأن جبل نزل فوق صدري، وصوت الشغالة لسه بيرن في ودني: *"أه جوزها.. ده رجل أعمال بدأ من الصفر"*. من الصفر؟! الصفر ده اللي هو أنا! الصفر ده شقاي وتعبي ودهبي اللي اتقص من لحمي عشان هو يكبر! مسحت دموعي بسرعة وكنت بترعش، خفت ليدخل المطبخ بالصدفة ويشوفني في الحالة دي، خفت من نظرة الشفقة أو الشماتة، وأنا كل همي دلوقتي أخد حق تعبي وأمشي أروح لعيالي اللي ملهمش ذنب. بصيت للشغالة اللي كانت واقفة بتغسل كام حاجة، حاولت أظبط صوتي على قد ما أقدر عشان ميبانش إني بموت من جوة، وقربت منها وقلت لها بصوت واطي ومبحوح: ـ بقولك إيه يا حبيبتي.. أنا وضبت كل حاجة برة على السفرة زي ما المدام طلبت، ومستعجلة جداً عشان سايبة ولادي الصغيرين مع والدتي وتعبانة. ممكن تدخلي للست صاحبة العزومة جوة بالراحة من غير ما تقطعي كلامها مع الضيوف، وتقولي لها إن بتاعة الأكل واقفة مستنية باقي الحساب عشان هتمشي؟ الشغالة بصت لي باستغراب من شكلي اللي اتغير في ثواني، بس هزت رأسها وقالت لي: ـ حاضر يا أبلة، هروح أقولها علطول. سابيتني وخرجت، وأنا فضلت واقفة في المطبخ، عيني على الباب، وبدعي ربنا في سري إن الموضوع يخلص بسرعة من غير ما عيني تيجي في عينه، وتفكيري كله كان في عيالي اللي مستنييني باللقمة اللي هجيبها من تعب اليوم ده. غبت دقيقتين تلاتة كانت فيهم الثواني بتمر عليا وكأنها سنين، لحد ما لقيت الشغالة داخلة وبتقولي: ـ اتفضلي يا أبلة، المدام بتقولك تسلم إيديكِ الأكل عجب الضيوف جداً، وده باقي حسابك والمكافأة دي عشانك. أخدت الفلوس منها ، حطيتها في الشنطة من غير ما أعدها حتى، كل اللي كان في بالي إني أخرج من البيت ده ومن الكابوس ده بأسرع وقت. مشيت خطوتين وكنت ببص ورايا بخوف، ليفاجئني ويطلع قدامي، بس الحمد لله ربنا ستر وخرجت من باب الشقة ومن العمارة كلها وأنا حاسة إن الهوا برة أخيراً دخل صدري. طول الطريق وأنا راجعة في المواصلات، الدموع اللي حبستها جوة نزلت زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع كسر وقلة حيلة.. كانت دموع نار وقيد قايد جوايا. بصيت للفلوس اللي في إيدي.. الفلوس اللي طالعة من شقايا وتعب يومين واقفة على رجلي، واقترن المشهد في دماغي بمنظر اللبس الماركات والألماظ اللي في إيد السنيورة بتاعته. في اللحظة دي، الكسرة اللي في قلبي اتحولت لحاجة تانية خالص.. اتحولت لقوة وعزيمة عمري ما حسيت بيهم قبل كده. مسحت دموعي بكف إيدي وقولت لنفسي: "لأ.. لحد هنا وكفاية طيبة وسذاجة. اللي فات كوم واللي جاي كوم تاني خالص يا أم عيالي". بدأت الدماغ تشتغل وتخطط، ومبقاش في تفكيري غير سؤال واحد: **إزاي هيرجع حقي وحق ولادي؟** * **أول حاجة: الشغل والمشروع.** الأكل اللي كنت بعمله بالطلب ده لازم يتحول لمشروع بجد، هكبره وهشتغل ليل نهار عشان فلوسي تكتر، مبقاش مستنية القرش والقرشين اللي يدوب بيكفوا الأكل والشرب. لازم أقف على رجلي ويبقى معايا سَنَد قوي يحميني ويحمي ولادي، ومحدش يعرف يكسرني تاني. *تاني حاجة الدهب اللي أخده مني واختفى بيه، لازم يرجع، وحق أولاده في المحاكم اللي هرب منه وسابهم من غير مصاريف لازم يتدفع، مليم مليم. طالما بقيت رجل أعمال ومن الصفر، يبقى الصفر ده هو اللي هيحاسبك ويسحب من تحتك السجادة. *تالت حاجة: المواجهة الصح. مش هروح أعمل فضيحة في وسط عزومته وأبقى أنا اللي شكلي متبهدل وهو باشا في وسط ضيوفه. لأ، الضرب اللي بجد بيبقى في الخفاء ومن غير صوت، لحد ما يصحى يلاقي نفسه بيتحاسب على كل قرش وكل لقمة حرم عياله منها. وصلت البيت، فتحت الباب ولقيت ولادي نايمين في حضن أمي، دخلت بوستهم، وبصيت في ملامحهم البريئة وحلفت في سري إني هجيب لهم حقهم تالت ومتلت، وإن أبوهم اللي سابهم عشان يتبغدد بفلوس شقايا، هيجي اليوم اللي يتمنى فيه بس يشوف ظفرهم. من تاني يوم، صحيت وأنا واحدة تانية خالص. النظرة المكسورة اللي كانت في عيني اختفت، وحل مكانها حماس غريب، حماس طالع من قلب الوجع. بصيت لأمي وولادي وهم نايمين، وقولت لنفسي: "البيت ده مش هيدخله قرش حرام، وكل خطوة هخطيها من هنا ورايح هتبقى محسوبة بالملي". أول حاجة عملتها، مسكت ورقة وقلم وقعدت أحسب حسبتي. المشروع الصغير ده لازم يتطور. كلمت زبايني اللي وثقوا فيا الفترة اللي فاتت، وقولتلهم إني هبدأ أنزل "منيو" أسبوعي بوجبات جاهزة للموظفات وللعزومات، وبأسعار تنافسية بس بجودة مفيش زيها. مبقتش أستنى الموبايل يرن بالطلب، أنا اللي بقيت أسعى وأعرض شغلي. وفي نفس الوقت، كلمت محامي من معارفنا القدام، وحكيت له كل حاجة من طقطق للسلام عليكم.. الطلاق الغيابي، واختفائه، والدهب اللي أخده بوصل أمانة قديم كان كاتبهولي زمان ومفتكرش إنه لسه معايا، ومصاريف الولاد اللي مدفعش فيها مليم من شهور. المحامي ابتسم وقالي: ـ طالما ظهر وعرفتي مكانه، وبقى رجل أعمال زي ما بتقولي، يبقى اللعب معاها هيبقى على مية بيضا. إحنا هنرفع قضايا نفقة بأنواعها، ونفقة متعة وعدة، وقضية تبديد منقولات ودهب. بس أهم حاجة امنيه ، مش عايزه يحس بأي خطوة من دي دلوقتي خالص لحد ما نتحرى عن أملاكه والشركات اللي باسمه عشان القاضي يحكم بمبلغ محترم يليق بمكانته الجديدة كلام المحامي برد ناري شوية. رجعت البيت وكنت بشتغل ليل مع نهار. المطبخ بتاعي مكنش بيهدى، ريحة الأكل كانت مالية الشقة، وتعب جسمي مكنتش بحس بيه قصاد كل قرش زيادة بيدخل في الحصالة اللي شيلتها لليوم الأسود. مر شهرين، والمشروع بتاعي بدأ يسمع في المنطقة كلها، وبقى عندي "جروب" على الفيسبوك فيه آلاف المتابعين، وبقيت أجيب ستات جيراني يساعدوني في التقطيع والتجهيز لما الضغط يزيد، وأمي ربنا يخليها ليا كانت شايلة عني الولاد. وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ بجهز أوردر كبير، لقيت الموبايل بيرن برقم غريب. رديت وأنا بنهج من التعب: ـ ألو.. السلام عليكم، مطبخ بيتي مع حضرتك. جالي صوت من الناحية التانية، صوت خلاني أقف مكاني والس*كينة تقع من إيدي على الرخامة. الصوت ده أنا حافظاه زي اسمي، صوت طليقي وهو بيقول بغرور: ـ أيوة.. كنت عايز أحجز بوفيه كامل لعزومة عمل كبيرة عندي في الفيلا الأسبوع الجاي، وشكروا لي في شغلكم جداً الدنيا اسودت في عيني لثانية، وخدت نفس طويل عشان ضربات قلبي اللي بقت تدق في وداني متفضحنيش. الصوت هو هو، بنفس نبرة التعالي والغرور اللي كان بيكلمني بيها زمان وهو مش حيلته لقمة العيش، بس المرة دي النبرة وراها فخامة كدابة، فخامة من شقايا. حطيت إيدي على بوقي ثواني، بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ذرة ثبات انفعالي جوايا. غيرت بحة صوتي ونبرتي خالص، واتكلمت بطريقة رسمية وجافة جداً زي صاحبة عمل بروفيشنال: ـ أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم. طبعاً، تحت أمرك، إحنا بنجهز بوفيهات كاملة لكل المناسبات وعزومات العمل الكبيرة. هو ملمحش أي حاجة، ولا حس للحظة إن اللي بتكلمه دي هي نفسها اللي رماها هي وعيالها غيابي. كمل كلامه بكل برود: ـ تمام، أنا عايز المنيو يكون فيه أطباق مميزة جداً، لأن المعازيم ناس تقيلة في السوق ورجال أعمال، والمدام عندي كانت دايقة شغلكم في عزومة تانية وقالت لي إن أكلكم يشرف. "المدام عندي".. الكلمة نزلت عليا زي السكينة، بس المرة دي الوجع مبقاش يكسرني، الوجع بقى بيولد فيا رغبة مرعبة في الانتصار. افتكرت كلام المحامي: *"الضرب اللي بجد بيبقى في الخفاء ومن غير صوت"*. قلت له ببرود تام: ـ تمام يا فندم، مفيش أي مشكلة. هبعت لحضرتك المنيو بالتفاصيل والأسعار على الواتساب على نفس الرقم ده، وحضرتك اختار الأصناف وحدد عدد الأفراد، وعشان نعتمد الحجز، بندفع عربون 50% من إجمالي المبلغ، والباقي مع الاستلام. قال لي بثقة وغطرسة: ـ مش مشكلة الفلوس، ابعتي المنيو فوراً وأنا هحولك العربون حالا على المحفظة الإلكترونية باسم الشركة. قفل الخط، وأنا فضلت واقفة باصة للموبايل وإيديا بتترعش.. بس مش من الخوف، من الفرحة! القدر هو اللي جابه لحد عندي، ورجله هي اللي اتسحبت للمصيدة من غير ما أعمل أي مجهود. جريت علطول على الأوضة مسكت التليفون وكلمت المحامي، وكنت بتكلم بسرعة ومن كل قلبي: ـ أستاذ أحمد.. صيد سمين وج لحد عندي، طليقي كلمني بنفسه يحجز بوفيه لفيته الأسبوع الجاي من غير ما يعرف طبعاً إني أنا صاحبة المشروع! وهيحول لي حالا العربون من محفظة الشركة! المحامي ضحك بصوت عالي وقالي: ـ يا فرج الله! ده هو اللي بيبعت لنا إثباتات أملاكه ورقم حسابات شركته على المقشر. اسمعي بقى يا أمنيه ، إحنا هنمشي معاه في الخط للاخر، واطلبي منه يبعت لك السجل التجاري أو بيانات الشركة عشان الفاتورة الضريبية لو طلب، وحولي لي بيانات التحويل دي فوراً.. إحنا كده هنرتب له المفاجأة الكبيرة في نفس يوم العزومة بتاعته! قفلت مع المحامي وأنا حاسة إن طاقة جديدة جرت في عروقي، طاقة واحدة بتاخد حقها بإيديها. دخلت على الواتساب وبعت له المنيو والأسعار، وبمنتهى الذكاء والاحترافية قولت له: ـ يا فندم عشان الإجراءات الحسابية للمطبخ، ياريت تبعت لي صورة السجل التجاري أو بطاقة الشركة مع تحويل العربون عشان نثبت الحجز باسم المؤسسة. مفيش عشر دقائق، ولقيت رسالة بتأكيد تحويل مبلغ محترم على المحفظة، ومعاها صورة السجل التجاري لشركته! مسكت الموبايل وفضلت باصة للاسم.. اسمه الثلاثي جمب اسم شركتة الجديدة للمقاولات والتوريدات. أخدت "سكرين شوت" لكل حاجة وبعتها للمحامي وأنا بكتب له: "كده تمام؟". رد عليا في ثانية: "كده ورقنا كمل، والتحريات هتنزل على عنوان الشركة ده علطول. جهزي نفسك ليوم العزومة". الأسبوع ده مكنتش بنام فيه غير ساعتين في اليوم. كنت بشتغل بحماس مرعب، بجهز أكل يكفي أكتر من خمسين فرد، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كنت مأجرة اتنين شيفات يساعدوني، وجايبة ستات من المنطقة ينظفوا ويقطعوا ورايا. المطبخ بقى خليه نحل. كل صنف كنت بعمله، كنت بحط فيه كل مهارتي، عايزة الأكل يطلع لوحة فنية، عشان لما الصدمة تيجي، تبقى على نضافة ووسط كل ضيوفه ومعازيمه. وجيه يوم العزومة المنشود.. الصبح بدري، كلمت المحامي اتأكدت إن كل الإجراءات الإدارية والقانونية جاهزة، وقالي: "أنا مجهز المحضر ومعايا القوة، وهنتحرك بناءً على الميعاد اللي هتقوليلي عليه". جهزت الأكل كله في السرافيس الكبيرة، ولفيته بأحلى شكل، واتفقت مع شركة توصيل بعربيات مجهزة تنقل الأكل لحد باب الفيلا. وقبل ما العربيات تتحرك، لبست أحسن عباية عندي، عباية سوداء شيك جداً، ولفيت طرحتي، وبصيت في المراية.. مكنتش شايفة الست الغلبانة اللي كانت بتعيط في المطبخ من أسبوعين، كنت شايفة أم قوية، صاحبة عمل، رايحة تاخد حق عيالها بكرامتها. وصلنا الفيلا.. نفس المكان اللي اتكسرت فيه من أسبوعين، بس المرة دي دخلت من الباب الكبير وأنا واقفة على رجلي. العربيات بدأت تنزل الأكل، والشغالة أول ما شافتني شهقت من المفاجأة ولطمت على صدرها وقالت بصوت واطي: ـ أبلة؟! هو أنتِ صاحبة المطبخ؟! ابتسمت لها بثقة وقولت لها: ـ أيوا يا حبيبتي أنا.. دخلي الأكل ورصيه على السفرة برة علطول، مش في المطبخ. وفعلاً، الأكل بدأ يترص، والروائح قلبت المكان، والضيوف ورجال الأعمال بدأوا يوصلوا ويدخلوا الصالون والجنينة، وطليقي واقف ببدلته الغالية والسيجار في إيده بيرحب بيهم، والست بتاعته جنبه مستعرضة فستانها ودهبها. أنا وقفت في جنب بعيد، مستنية اللحظة الحاسمة. أول ما لقيت الصالون اتملى على آخره والكل بدأ يقعد، طلعت موبايلي ورنيت على المحامي: ـ أستاذ أحمد.. الكل موجود، والباشا وسط ضيوفه. اتفضلوا ادخلوا. مفيش خمس دقائق، ولقيت جرس الباب بيرن رن متواصل وقوي، رن خلى الكل يسكت هيثم استغرب ويبص للشغالة عشان تفتح. فتحت الشغالة الباب، ودخل أستاذ أحمد المحامي وبحزم وراه قوة من القسم، اتنين أمناء شرطة ومعاهم محضر تنفيذ. الصالون كله سكت، والمعازيم ورجال الأعمال بدأوا يبصوا لبعض بوشوشة واستغراب. هيثم وشه جاب ألوان، ساب السيجار من إيده وقرب بسرعة وهو بيحاول يداري كسفته وقال بصوت عالي: ـ إيه ده؟ في إيه؟ أنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟ أنتوا مش عارفين أنا مين ولا إيه؟ أستاذ أحمد المحامي خطى خطوة لقدام، وبكل برود وثقة طلع ورقة المحضر الرسمية وقاله بصوت جهوري سمعه كل اللي قاعدين: ـ حضرتك الأستاذ هيثم؟ إحنا معانا أمر تنفيذ قضائي وحجز على المنقولات والسيارة، وأمر ضبط وإحضار في قضية تبديد ذهب ومؤخر صداق، وقضايا نفقة متجمدة لأولادك اللي سايبهم من غير مصاريف بقالك شهور، بناءً على التحريات اللي ثبتت دخلك وأملاكك وسجلك التجاري. **هيثم** رجع لورا خطوة ووشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يتلعثم في الكلام وهو بيبص لمعازيمه اللي نظراتهم ليه اتحولت لشك واحتقار: ـ نفقة إيه ودهب إيه؟ أنتوا أكيد غلطانين في الاسم! أنا راجل أعمال معروف في السوق! في اللحظة دي، قررت إن وقت الاختفاء انتهى. خطيت خطوات واثقة وطلعت أنا، أمنية من المدارى ووقفت في نص الصالون، عيني في عينه بكل قوة. أول ما **هيثم** شافني، عينه برقت وصدمته كانت أكبر من صدمة المحضر نفسه. بق مكنش قادر يفتحه، والكلمات طارت من لسانه. بصيت له وابتسمت ابتسامة النصر وقولت له بصوت مسموع وواضح: ـ لأ مش غلطانين في الاسم يا باشا.. المحضر مظبوط، والاسم مظبوط بالملي. مش أنت برضه اللي كنت بتدور على بوفيه يشرفك قدام رجال الأعمال؟ أهو الأكل ده كله من شقايا وتعب إيديا اللي كنت بتستعر منهم، والفلوس اللي كبرت بيها دي فلوس دهبي وشبابي اللي سرقتهم واختفيت. مراته الجديدة، هايدى قربت وهي بتزعق ومخضوضة من المنظر والفضائح وسط الناس: ـ أنتِ مين يا ست أنتِ؟ وإزاي تدخلي بيتي بالطريقة دي؟ رديت عليها وأنا بلف ضهري وبستعد للخروج وأنا في قمة شموخي: ـ أنا صاحبة الفضل على الراجل اللي واقف جنبك ده يا مدام **هايدي**.. أنا الصفر اللي بدأ منه ولما افتري رماني غيابي وساب ولاده.. بس القانون مبيرميش حد، والنهاردة كل مليم هيطلع من عينيه بالقانون وقدام الكل. بصيت لأستاذ أحمد وقولت له: ـ اتفضل يا متر، كمل إجراءاتك، وأنا مستنياك برة في العربية. خرجت من باب الفيلا الكبيرة وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري صافي ومفيش فيه أي غصة. ركبت عربيتي وأنا ببص للسما وبشكر ربنا من كل قلبي.. حق أولادي هيرجع، والمشروع اللي بدأ بالطلب بقى هو السند والدرع اللي بيحميني. دموع الكسرة بتاعت زمان خلاص ماتت، والنهاردة بدأت حياة **أمنية** القوية اللي محدش هيقدر يكسرها تاني أبدًا. مر يومين اتنين بس على ليلة العزومة، كنت قاعدة في بيتي وسط أوردرات المطبخ اللي مابتخلصش، والباب رن. فتحت ولقيت **هيثم** واقف قدامي. وشه كان شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه اتمحى، وبقى باين عليه آثار البهدلة والفضائح اللي حصلت قدام معازيمه ورجال الأعمال. بصيت له ببرود وسندت على الباب ومنعته يدخل، وقلت له بنبرة جافة: ـ عايز إيه يا **هيثم**؟ جاي هنا ليه؟ بص حواليه بخوف ليكون حد من الجيران شايفه، وقال بصوت واطي ومكسور: ـ أرجوكِ يا **أمنية**، خليني أدخل نتكلم دقيقتين بس.. الموضوع ميتكلّمش فيه على الباب. سبته ودخلت الصالون وقعدت، وهو دخل ورايا ووقف مش عارف يقعد فين. أخد نفس طويل وبدأ يتكلم بسرعة كأنه بيسابق الزمن: ـ أنا جاي وأنا عارف إني غلطت.. بس الفضيحة اللي حصلت دي هتهد كل اللي بنيته في السوق، وشركتي مهددة. أنا جاي أساومك ونقفل الصفحة دي خالص.. هديكى قرشين حلوين، وهيرجعلك دهبك اللي أخدته زمان، بس تروحي مع المحامي وتنازلي عن كل القضايا والمحاضر دي، وما تفتحيش بوقك بكلمة تانية تخصني في السوق أو قدام حد. في اللحظة دي، الشيطان كان ممكن يوز أي واحدة تانية ترفض وتكمل في عنادها عشان تدمره، بس أنا دماغي بقت بتفكر تفكير تجاري بحت، تفكير واحدة عايزة تأمن مستقبل عيالها وتكبر مشروعها من غير وجع دماغ ومحاكم تطول سنين. بصيت له، ورفعت حاجب وبمنتهى الثقة قعدت وحطيت رجل على رجل وابتسمت: ـ تدينى قرشين وترجع دهبي؟ لأ يا هيثم.. أنت فاكرني لسه **أمنية** الطيبة بتاعة زمان؟ الدهب اللي أنت أخدته زمان كان بسعر ، والنهاردة جرام الدهب في السما.. لو عايزني ألم الفضيحة وأتنازل، يبقى شروطي هي اللي هتمشي، وبشروطي أنا. بلع ريقه بتوتر وقال: ـ شروط إيه؟ أنطقي. ـ أولاً: دهبي هيترد تمنه كاش وبسعر النهاردة، بالملي، مش هسيب فيه جرام واحد. ثانياً: هتدفعلي مبلغ كبير.. مبلغ محترم كتعويض عن كسر خاطرى ورمية عيالي، والفلوس دي هتدخل علطول راس مال في مشروعي عشان أكبّره. ثالثاً وده الأهم: نفقة أولادك الشهرية تتكتب بوثيقة رسمية في المحكمة وبمبلغ يليق برجل أعمال، عشان أضمن إنهم يعيشوا في أحسن مستوى ويدخلوا أحسن مدارس، ومستقبلهم يبقى مأمن لغاية ما يكبروا. **هيثم** حس إن الشروط تقيلة، وشه احمر وبدأ يجادل: ـ بس المبلغ ده كتير أوي يا أمنية! أنتِ كده بتعجزيني! وقفت وفتحت له باب الشقة بكل حسم وقلت له: ـ مفيش حاجة تغلى على سمعتك وشركتك يا باشا.. قدامك ساعة واحدة تفكر، يا إما المحامي يكمل إجراءات الحجز والضبط، والمرة الجاية الفضيحة هتوصل لصفحات السوشيال ميديا وشركائك في السوق، وساعتها **هايدي** هانم مش هتعرف تداري وشها من الناس. شاف العين الحمراء وعِرف إني مبقتش بخاف ولا بتهدد. وطى رأسه وقال بقلة حيلة: ـ ماشي يا **أمنية**.. موافق. بكره الصبح الفلوس كلها هتكون جاهزة، ونروح مع المحامي نثبت النفقة ونعمل التنازل. خرج وقفل الباب وراه، وأنا خدت نفس طويل وبصيت للسما وضحكت من كل قلبي. وافقت عشان أنا مش عايزة أنتقم لمجرد الانتقام، أنا عايزة حق أولادي وبس. بذكائي، أخدت تمن دهبي بسعر النهاردة، وأخدت مبلغ يكبر مشروعي ويخليني "افتح مطعم معروف، وضمنت لعيالي عيشة ملوك من فلوس أبوهم اللي كان عايز يحرمهم منها. الكسرة اتحولت لصفقة ناجحة، و**أمنية** خرجت من المعركة دي وهي الكسبانة كل حاجة. ومرت السنين.. السنين اللي كانت بتجري بيا وبمشروعي لفوق، كانت بتسحب **هيثم** وبتنزله لسابع أرض. بعد موضوع التعويض والصلح اللي تم بيننا، افتكرت إن **هيثم** ممكن يتعلم أو يفوق، بس اللي فيه طبع مبيغيروش. الفلوس والمنصب الجديد اللي وصلهم عموا عينيه تماماً، ومبقتش ست واحدة تملى عينيه. **هايدي** اللي خانني معاها وافتكرت إنها ملكت قلبه، مكملتش معاه سنة، وبدأت الخناقات بينهم تطلع للعلن لحد ما طلقها. وبعدها دخل في دوامة مابتنتهيش؛ يتجوز ويطلق، يتجوز ويطلق.. كل كام شهر يظهر مع واحدة جديدة، يصرف عليها شقا عمره وفلوس شركته عشان يثبت لنفسه إنه لسه الباشا المرغوب، والستات كانوا داخلين حياته لهدف واحد بس: ياخدوا القرشين اللي حيلته ويجروا. أما أنا، فكنت في حتة تانية خالص. "مطبخ أمنية" مبقاش مجرد مشروع من البيت، ده بقى براند وشركة توريد أكل متميزة، وفتحت أول مطعم وكافيه باسمي، وبقيت بجهز بوفيهات لوزارات وهيئات كبرى. فلوس دهبي اللي أخدتها منه بسعر اليوم، والمبلغ التعويضي، كانوا هما البذرة اللي سقيتها بعرقي وشقايا لحد ما بقيت سيدة أعمال بجد، بشتغل بنضافة وذمة، والكل بيحلف بأدبي وشطارتي. ولادي كبروا قدام عيني، دخلوا أحسن مدارس، وربيتهم على الأصول والاعتماد على النفس، ومخلتش نفسهم في أي حاجة في الدنيا. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بالمطعم الرئيسي بتاعي، براجع حسابات الفروع، لقيت مدير الصالة بيدخل عليا ومحرج جداً وبيقولي: ـ مدام **أمنية**، في راجل برة شكله تعبان ومبهدل شوية، طالب يقابل حضرتك بالاسم، وبيقول إنه معرفة قديمة ومش هيمشي من غير ما يشوفك. قلبي دق دقة غريبة، وقولت للمدير: ـ خليه يدخل يا متر. الباب انفتح، ودخل شخص أنا مكنتش هعرفه لولا ملامحه اللي الزمن حفر فيها الوجع والكسرة.. كان **هيثم**. البدلة الغالية الشيك اتبدلت بهدوم دبلانة، والسيجار والغرور اتمحوا تماماً وحل مكانهم نظرة ذل وانكسار. الدوامة اللي عاش فيها، والستات اللي صرف عليهم والمشاريع الفاشلة اللي دخلها بغباوة عشان يرضي غروره، هدّت شركته بالكامل لحد ما فلس، ومبقاش حيلته لقمة العيش، وحتى صحته خانته. وقف قدام مكتبي، عينه مش قادرة تيجي في عيني من الكسوف، وفرك إيديه بقلة حيلة وقال بصوت مرعش: ـ أهلاً يا **أمنية**.. زمانك بتقولي يشمت فيا، بس أنا فعلاً ضعت، وملقتش حد أروحله غيرك.. أنا جاي أطلب منك سماح، وجاي أسألك لو عندك أي شغل ليا هنا في المطعم.. أي شغلانة أعيش منها. بصيت له وخدت نفس طويل، مكنش في قلبي شماتة، كان في قلبي حمد وشكر لربنا اللي بيجيب الحقوق ولو بعد حين. بصيت للست الغلبانة اللي كانت بتعيط في المطبخ زمان، وبصيت لنفسي دلوقتي وأنا الملكة في مكاني، وقولت في سري: "سبحان المعز المذل.. الصفر اللي استهونت بيه زمان يا **هيثم**، هو اللي واقف على رجليه النهاردة، وأنت اللي بدأت من تحت الصفر".