كل ما جوزي يضربني

أماني سيد

مرت نص ساعة وكأنها سنة كاملة، وأنا قاعدة على طرف الكرسي وضامة ابني لصدري، والواد من كتر السخونية والتعب نام ومش داري بالدنيا. كل دقة باب بره الصالة كانت بتخلع قلبي من مكانه. وأبويا قاعد قصادي، عينه في تليفونه، ولا كأن في بني آدمة بتموت من الرعب جنبه.
فجأة، جرس الباب رن. جسمي كله اتنفض، وحسيت بريق ناشف مش قادرة أبلعه. أبويا قام بكل برود وفتح الباب، ودخل جوزي. أول ما خطى عتبة الصالة، عينه جت في عيني.. نظرة كلها شماتة وانتصار، عين واحد عارف ومطمن إن ماليش ملجأ ولا ضهر يترد عليه.
أبويا بص له وقاله وهو بيشاور عليا:
ـ “أهي عندك اهي يا أبو رامى .. خدها في إيدك، وأنا قولتلك المرة اللي فاتت والمرة دي بأكد عليك: الست اللي متبعش كلام جوزها وتخرج من طوعه، تتكسر لحد ما تتصلح. علمها إزاي تحترم بيتها ومتجيش تقرفنا هنا تاني”.
جوزي هز راسه بثقة وقاله: “العيب مش عليك يا عمي، العيب على اللي مكنتش متربية في بيتها وعايزة تتربى من جديد.. اتفضلي قومي قدامي يلا”.
قومت وجسمي كله بيترعش، شيلت ابني اللي زي الحتة المرمية بين إيديا، ومشيت وراه وأنا حاسة إني رايحة للمقبرة برجلّيا. ركبنا العربية، ومجرد ما قفل الأبواب علينا، لفت نظره ليا وقال بضحكة مستفزة كلها غل: “شُفتي بقا؟ أبوكي نفسه بايعك، يعني لو موتك في إيدي محدش هيقولي أنت بتعمل إيه.. من هنا ورايح، صوتك ده مش هسمعه، واللي هقوله يتنفذ وأنتِ جزمتك في بقك”.
طول الطريق دموعي كانت نازلة ومفيش حتى صوت طالع من القهرة. وصلنا الشقة، وأول ما دخلنا، رزع الباب وراه بالمفتاح، وقلع حزامه وبصلي وقالي: “عشان تفوقي وتعرفي إن الله حق، وإن ماليش كبير يحاسبني”.
في اللحظة دي، وأنا شايفة الحزام وهو بيترفع عليا، وابني بيصرخ ويداري وشه في الحيطة، انطفى جوايا أي أمل في الدنيا.. بقيت بنضرب وأنا مش حاسة بالوجع، حاسة بس بنار القهر اللي قادت في قلبي ومشتعلة، ومفيش حد هيرحم دمعتي.
ووقتها بس قررت انى اغامر واعمل

بس المرة دي، الحزام وهو نازل على جسمي، مكسرنيش.. بالعكس، صحى فيا حاجة كانت ماتت من سنين. لما شفت الحزام وهو بيتحرك ناحيتي، وصوت صرخة ابني المرعوب وهي بتهز حيطان الأوضة، حسيت بنار قادت في دمي عَمِت عيني عن الخوف. المرة دي مكنتش بدافع عن نفسي.. أنا “فادية” اللي قررت المرة دي تحمي حتة من قلبها.
قبل ما الحزام يلمسني، مديت إيدي وبكل قوة جوايا مسكته وقفشته في الهوا. “سالم” اتصدم، عينيه برقت ومبقاش مصدق إن فادية الخايبة المكسورة قادرة ترفع عينها فيه، ولا تمسك إيده.
بصيت في عينيه بكل غل وقهر السنين اللي فاتت، وقولتله بصوت طالع من وسط ضلوعي زي الرعد: “ورب العزة يا سالم، لو مديت إيدك عليا تاني، أو لمحتك بتقرب من ابني، لأكون مخلصة عليك ومودياك في داهية.. أنا مَبقاش فيا حتة سليمة تخاف عليها، واللي بايعة عمرها مابتخافش من الموت”.
زقيت إيد سالم بكل عزمي لورا، لدرجة إنه اتطوح خطوتين من الصدمة. جريت على ابني، أخدته في حضني وقومته، وبصيت لسالم وقولتله: “أبويا بايعني؟ طظ فيكم أنتوا الاتنين! أنا من النهاردة ماليش أب، ولا ليا جوز.. أنا ضهر نفسي، وضهر ابني، والباب اللي اتقفل في وشي، أنا ههده على دماغكم”.
دخلت الأوضة، لميت بطاقتي وأوراق ابني في شنطتي، وأخدت الواد في إيدي وخرجت للصالة. سالم كان واقف مكانه زي الصنم، لسه مش مستوعب الست اللي واقفه قدامه دي ومين جاب لها القوة دي كلها. جيت أمشي، لقيت تليفونه بيرن على التربيزة، والست إياها بتتصل.. مسكت التليفون ورزيته في الأرض مية حتة تحت رجله وقولتله: “اشبع بيها واشبع بيك يا سالم.. بس ابنك ده، لو فكرت تقرب منه، هتشوف مني وش عمرك ما تخيلت إنه موجود في الدنيا”.
فتحت الباب وخرجت، ورزعت الباب ورايا بكل قوتي.. رزعة قفلت بيها كتاب الذل والكسرة للأبد. ونزلت السلم وأنا سانده ابني على كتفي، مشيت في الشارع وأنا حاسة لأول مرة إن الهوا بيدخل صدر فادية بجد. مكنتش عارفة هروح فين، ولا هجيب حق الدوا والأكل منين، بس كان عندي يقين واحد مالي قلبي: لو هنام أنا وابني على الرصيف، هيبقى أرحم بمية مرة من جحيم سالم وقسوة أبويا.. أنا مش هكسر دماغي تاني، أنا هبنيها من جديد عشان خاطر ابني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *