اول اسبوع جواز

اماني سيد

بلع ريقه بصعوبة ووشه بقى خالي من أي تعبير، وبصلي بصة برود وجحود خلت قلبي يقع في رجلي، وقال بصوت حاسم ما سمعتوش منه طول عمره: «لحد هنا والمهازل دي لازم تنتهي يا أمي. بيتي وعرضي مش فرجة للجيران، وأنا من النهاردة مش هقعد في العمارة دي دقيقة واحدة زيادة بعد ما ألاقي شقة. أنا هدور على شقة إيجار في مكان تاني خالص، مكان محدش يعرفنا فيه ولا يشاور علينا ويقول دول اللي زبالتهم متصورة على الواتساب.. البيت هنا هسيبهولك تشبعي بيه وبالحيطان بتاعته».
وقفت مبرقة مش مصدقة اللي بيتقال، ولساني اتشل من الصدمة وأنا شايفة ابني الوحيد اللي ربيته وشقيت عليه بيقولي هسيبلك البيت وأمشي عشان خاطر واحدة غريبة! جيت أفتح بقي أزعق، لقيته بيشاور بإيده عشان أسكت، ووطى على الأرض بكل هدوء، مد إيده ولم علبة التحليل، والروشتة، وكل قشاية وإيصال وقعوا من كيس الزبالة، حطهم جوه الكيس، وربطه بإحكام وهو باصص في عيني بتحدي ومرارة وقال: «والزبالة دي؟ الزبالة دي أنا هاخدها في إيدي وأنا نازل دلوقتي أرميها بنفسي تحت، عشان أتأكد إنك مش هتحطي عينك ولا إيدك فيها تاني وكل يوم وانا رايح الشغل هاخد بنفسى الزباله ارميها
لف ضهره ومسك نيرة بإيد، وكيس الزبالة بالإيد التانية، ونيرة كانت ماشية جنبه راسها في الأرض وما نطقتش بنص كلمة ولا حتى بصت وراها. طلعوا من باب الشقة، ورزع الباب وراه رقعة سمعت في العمارة كلها، كأنه قفل باب حياته في وشي للأبد.
جريت على البلكونة ورا الستارة، شفت وائل وهو ماشي في الشارع شايل كيس الزبالة رماه في الصندوق الكبير بعيد عن العمارة، وأجر تاكسي وركب نيرة وركب جنبها ومشيوا. الجيران كانوا باصين من الشبابيك يتهامسوا، وتليفوني في الصالة ما بطلش زن رسايل، وأنا واقفة في مكاني، حاسة ببرد غريب دخل في عضمي، بعد ما أدركت إني عشان أراقب كيس زبالة خسرت ابني وكسرت فرحته، وبقيت قاعدة في شقة واسعة فاضية مفيهاش حس ولا ونيس غير صدى فضايحي.

عدت الأيام والتليفون مابيرنش، كل ما أسمع خطوة على السلم أجري على العين السحرية بلهفة، أقول وائل رجع، بس ما ألاقيش غير الجيران طالعين نازلين، واللي منهم يلمحني خارجة من الشقة يبص في الأرض ويسرع خطوته كأنه خايف يكلمني، أو يرمي عليا «صباح الخير» مسمومة من طرف مناخيره.
بقيت أخرج اشتري طلباتي وأنا مدارية وشي بالطرحة، النسوان اللي كانوا بيقعدوا يسمعوني ويشجعوني بقوا يتهامسوا أول ما أعدي: «أهي.. أهي الحما اللي فضحت ابنها وصورت زبالته عشان شيبسي!». النار كانت بتاكل في قلبي، لا وائل بيرد على تليفوني ولا بيبعت حتى يسأل عني، وكل ما أطلبه ألاقي الخط بيديني مشغول أو مقفول، عرفت إنه عملي بلوك.. ابني الوحيد اللي ربطت عمري بيه عمل لأمه بلوك!
بعد تلات أسابيع، الباب خبط خبطتين ناشفين. فتحت بلهفة وكنت مستنية أشوف وائل يترمي في حضني ويقولي سامحيني يا أمي، لقيت وائل واقف ومعاه تلات رجالة غُرب وعربية نقل واقفة تحت العمارة. كان وشه حجر، ناشف ومفيهوش دمعة واحدة ولا حتى عتاب. مد إيده بمفتاح الشقة حطه في إيدي، ومن غير ما يرفع عينه في عيني قال بصوت جامد: «إحنا أجرنا شقة في أول فيصل، وجايين ناخد هدومنا وعفشنا.. مش هنسيب هنا حاجة، ولا حتى كيس بلاستيك تدوري فيه بعد ما نمشي».
جيت أصرخ، ألطم على وشي، أقوله «يا ابني حرام عليك بيتك وعزك وأهلك!»، لقيته مش سامعني، واقف يشرف على العمال وهما بيفكوا غرف النوم والصالون وينزلوا بالكراتين. كل كرتونة كانت بتنزل كان حتة من كبدي بتتقلع معاها، والجيران متجمعين في البلكونات بيتفرجوا على الفضيحة الحقيقية.. ابني بيعزل وسايب أمه!
قبل ما ينزل آخر كرتونة، بصيت عليه بنكسار وقولتله: «هتسيبني لوحدي يا وائل؟ طب والعيّل اللي في بطنها ده.. مش هشوف حفيدي؟».
وقف على أول درجة في السلم، وبصلي بصة أخيرة كانت أقسى من الموت، وقال: «ابني هيتربى في بيت نظيف وسره جواه ومحدش يعرف هو بياكل إيه ولا بيشرب إيه، ومش هيشوف جدة تستعر من أهلها وتفضح أبوه عشان كام كيس شيبسي.. اعتبري نفسك وفرتي تمن الزبالة يا أمي».

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *