اول اسبوع جواز
اماني سيد
نزل ورزع باب العمارة تحت، وسابني واقفة على البلاط العريان وسط حيطان فاضية، مفيهاش غير صوت بكايا اللي ملقاش حد يسمعه.
مرت شهور تقيلة كأنها سنين، الشقة حيطانها بقت تاكل فيا، والسكوت كان بيصرخ في ودني ليل ونهار. التليفزيون شغال ع الفاضي، والأكل بيبات بالأيام في التلاجة ماليش نفس أمد إيدي عليه. عرفت يعني إيه ضنى يبعد، وعرفت إن كل اللي عملته كان جهل وعما عين خسرني حتة مني عشان كلام نسوان مالوش عازة.
لحد ما جه يوم جمعة بعد العصر، سمعت المفتاح بيلف في الباب.. قلبي دق في صدري زي الطبلة، وقفت مذهولة والباب بيتفتح ودخل وائل، كان وشه أهدى شوية بس عينه لسه فيها شجن، وجايب في إيده فاكهة وحاجة حلوة. رميت نفسي عليه وأنا بنهار من العياط، حضنته بكل قوتي كأني خايفة يطير، وبوست كتفه ودماغه وقولتله وأنا بتوسل ودموعي مغرقاني: «سامحني يا ابني، حقك على راسي، والله العظيم اتعلمت، الوحدة كانت هتموتني وكفرت عن غلطتي ألف مرة.. ارجعوا يا وائل، ارجعوا والبيت ده يبقالكم كتمان، مش هسأل في تفصيلة، ولا هتدخل في خصوصياتكم ولا هبص حتى ع الباب، اعتبرني هوا.. بس ما تحرمنيش منكم ومن ريحة حفيدي!».
وائل طبطب على ضهري بحنية، بس بنبرة جادة وثابتة: «يا أمي أنا مصفيتش غير عشان إنتي أمي ورضاكي من رضا ربنا، وعشان كده بقيت أجيلك كل يومين تلاتة أطمن عليكي، بس اللي اتكسر لازم يتصلح بعقل. نيرة وافقت نرجع بس بشرط، خط أحمر حولين حياتنا وسرنا، ما لكيش دعوة بنصرف إيه ولا بناكل إيه ولا بيتنا داخل فيه مين، كل واحد في حاله تماماً».
هزيت راسي بالموافقة من غير تفكير، ومسحت دموعي وقولتله: «موافقة يا ابني، اللي تقولوا عليه يمشي، المهم أشوفكم حواليا».
وبالفعل، رجعوا الشقة بعد كام يوم، بس المرة دي كانت غير. عفشهم اتفرش تاني، وحس البيت رد فيه، بس أنا كنت اتغيرت من ساسي لراسي؛ بابي مقفول عليا وبابهم مقفول عليهم. لما كانت نيرة تخرج كيس الزبالة الصبح، والله ما كنت حتى أبص على الباب، ولا أرفع عيني فيه، بقيت أستنى الراجل يطلعلهم ياخده بنفسه وأنا في مكاني.
بقينا نتقابل بود واحترام، نتغدى سوا يوم الجمعة، ألاعب حفيدي وأشيله على رجلي، وائل يقعد يطمن عليا وعلى علاجي، وكل واحد فينا دخل جواه وعمر بيته بسياج من الأدب والحدود، وعرفنا إن البيت عشان يعمر، لازم كل باب يفضل مقفول على سره.