خدمت حمايا
اسمع الكلمة دي عشان أرتاح وأقفل الصفحة دي تماماً. جوزي لما عرف، مقالش حاجة، بس قعد فترة طويلة ساكت وبيبص في صورة أبوه اللي معلقينها في الصالة، وكأنه بيقوله أنا عملت اللي عليا، وربيت ولادي على أصلك.
النهارده، ولادي التوأم اتخرجوا، والبيت اللي كان دايماً فيه ريحة دواء ومرض، بقى فيه ضحك ومذاكرة ومستقبل بيتبني. كل ما بمر من قدام الكرسي اللي كان حمايا بيقعد عليه، ببتسم وبفتكر أول يوم دخلته بيتنا، وإزاي ربنا أكرمني ببركة دعواته. اتعلمت إن الحياة مش دايماً بتمشي بالعدل اللي إحنا بنتمناه، بس في الآخر، الحق بياخد مجراه حتى لو طال الزمن، وإن الشخص اللي بيحط قلبه في عمل الخير، ربنا بيحط له جبر خاطر مبيخلصش أثره.
حمايا مكنش مجرد راجل عجز ومات، ده كان اختبار لقلبي، وأنا والحمد لله، بفضل الله، عديت الاختبار، وخرجت منه بكنز مش في البنك، كنز في ولادي، وفي جوزي، وفي طمأنينة قلبي اللي مفيش حد يقدر يشتريها بمال الدنيا كله.
……….
القصة مخلصتش بمجرد رسالة اعتذار، الحياة استمرت، والدرس اللي اتعلمته ولادي هما اللي بقوا شايلينه دلوقتي. كبروا وهما شايفين أمهم اللي كانت بتمسح دموع جدهم وبتحميه، وأبوهم اللي كان بيسندهم وقت الضيق، فطلعوا نسخة تانية من الطيبة والشهامة اللي كان حمايا دايماً بيحلم بيها.
في يوم، وأنا بقلب في صندوق الذكريات اللي كان حمايا سايبهولي، لقيت مذكرات صغيرة كان كاتبها بخط إيده في السنين الأخيرة. فتحت صفحة عشوائية لقيت مكتوب فيها ليلى هي اللي شافتني لما الناس كلها شافتني عبء، هي اللي جبرت بخاطري لما الكل كسرني، والنهارده، أنا مش بس سيبتلها فلوس، أنا سيبتلها دعوة مابتنقطعش، وسيبت لولادها بخت هيعيشوا بيه طول العمر.
الكلام ده خلاني أحس إن كل دقيقة تعب، كل وجع في رجلي، وكل ليلة نمت فيها وأنا مهدودة من التعب، كانوا تمن بخس في مقابل الرضا اللي في قلبي دلوقتي. أخوات جوزي، عرفت بعد فترة إنهم مش بس خسروا الفلوس، هما تاهوا في الدنيا، بقوا زي اللي بيحاول يمسك المية بإيده، كل ما يحاولوا يجمعوا حاجة، تضيع منهم، لأنهم فقدوا أهم حاجة ممكن الإنسان يملكها.. الرضا وبركة الأهل.
أنا النهارده عندي 50 سنة، جوزي لسه سند، ولادي بقوا رجالة بيعتمد عليهم، والبيت اللي كان دايماً شاهد على صراعات وطمع، بقى واحة للحب والسكينة. مابقتش أبص ورايا، ولا بقيت شايلة هم اللي فات، لأني اتأكدت إن اللي بيعمل الخير لوجه الله، ربنا بيحفظه بحفظه، وبيكفيه شر النفوس المريضة.
أوقات كتير بقف قدام الشباك، ببص على الطريق، وبفتكر اللحظة اللي كنت بداخل فيها حمايا البيت وهو على الكرسي المتحرك، وبقول لنفسي الحمد لله إني كنت أمينة على الأمانة، والحمد لله إن الحكاية خلصت بجبر خاطر، مش بس ليا، بس كمان لذكرى راجل طيب، كل ذنبه إنه حب ولاده أكتر ما حبوا هما نفسهم.
الحكاية دي مش قصة فلوس وودايع، الحكاية قصة بنت أصول قدرت المعنى الحقيقي للبر، وقدرت إن الدنيا دي دوارة، والزرعة الحلوة، حتى لو اتعرضت للشمس والرياح، بتفضل ثابتة وجدرورها قوية، لأنها ببساطة.. زرعة أصلها ثابت وفرعها في السما.
………
السنين بتجري زي لمح البصر، كأنها شريط سينما بيتعرض قدام عيني بلقطات سريعة. في يوم وليلة لقيت نفسي واقفة في نفس المطبخ، بس المرة دي بجهز أكل العقيقة بتاعت أول حفيد ليا. ابني ربنا رزقه بولد، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح لأسوأ كوابيسي وانكساري،
لمحة نيوز