خدمت حمايا
لمحة نيوز
بتوجعني وبكل غل وغباء داست عليها بكل قوتها لحد ما سمعت صوت العضم بيطرطق، صرخة طلعت من قلبي خلت العيال يترعبوا، ووقعت على الأرض مش قادرة آخد نفسي من الوجع، وهما مفرقش معاهم غير الورقة اللي طلعوها، أجبروني وأنا بلفظ أنفاسي الأخيرة من الألم إني أمضي على وصلات أمانة بالمبلغ كله، وقالولي بمنتهى البرود لو ما تنازلتيش عن كل مليم في البنك هنحبسك ونرميكي في السجن، سيبتهم يخلصوا اللي هما عايزينه وأنا مش شايفة قدامي غير دموع ولادي، مشيوا وهما فاكرين إنهم انتصروا، بس الحقيقة كانت في جيب الجلابية اللي كان حمايا بيلبسها دايما قبل ما يموت، حمايا اللي كان ظابط جيش فاهم وعارف ولاده كويس، سابلي جواب في نفس المكان اللي مخبي فيه أوراق تانية خالص، جواب فيه توكيل عام ومستندات بتبين إن الوديعة دي مجرد جزء بسيط من ثروته اللي كان محولها لأسهم باسم ولادي التوأم من سنتين، والوصية الحقيقية كانت بتقول إن لو حد من أخوات جوزي اتعرضلي بالأذى أو حاول يطالب بزيادة عن نصيبه في البيت، يسقط حقه تماماً في أي مليم، وجوزي لما رجع وشافني مرمية على الأرض والعيال ميتين من العيا، حكيتله كل حاجة والدموع في عيني، ولما قرأ الجواب والمستندات اللي مكنوش هما يعرفوا عنها حاجة، عيونه اتحولت للون الدم، وخدني في حضنه وقالي إنه مش هيسيب حقي، وفي الوقت اللي كانوا فاكرين فيه إنهم انتصروا، كان المحامي بتاع حمايا واقف قدام باب شقتهم ومعاه الشرطة اللي كانت بتدور عليهم بسبب تهديدهم ليا وتوقيعهم ليا على الوصلات بالإكراه، الصدمة مكنتش في الفلوس اللي ضاعت منهم، الصدمة كانت لما اكتشفوا إنهم خسروا كل حاجة، البيت اللي حمايا كان كاتبهولهم،
والمكانة اللي كانت في قلبه، وبقوا واقفين في الشارع لا معاهم اللي أخدوه مني ولا اللي سابهولهم أبوهم، ودخلوا دوامة قضايا مخلصتش، وأنا اللي كنت فاكراهم خسروني، لقيت ربنا بيعوضني بحياة تانية هادية بعيد عن طمعهم وقسوتهم، والتوأم بقوا هما السند بعد ما كبروا وعرفوا الحقيقة، وكل ما افتكر نظرة حمايا وهو بيوصيني أخد بالي من حقي، بدعي له بالرحمة، الراجل ده مكانش بس بيعوضني عن أبوي، ده كان بيأمن لي مستقبلي ومستقبل ولادي من غدر الدنيا.
………
يوم المحكمة كان يوم مشهود، دخلت وأنا متسندة على عكاز وبمشي بالراحة، وشوشهم كانت باهتة ومجروحة من الصدمة لما شافوني واقفة في قاعة المحكمة، كانوا فاكرين إني في البيت بتوجع ومكسورة، بس حمايا الله يرحمه كان مخطط لكل ده من سنين، المحامي بتاعي قدم تسجيلات صوتية وصور من كاميرات المراقبة اللي جوزي كان مركبها في البيت من غير ما هما ياخدوا بالهم – احتياطي زي ما أبوه كان دايماً بيوصيه – وكل كلمة قالوها وهما بيضربوني وبيهددوني بقطع الأيدي كانت متسجلة، ده غير “المفاجأة التانية” اللي هما مكنوش عاملين حسابها، وهي إن حمايا قبل وفاته بيوم كان مسجل فيديو رسمي بوجود محاميه الخاص، بيحكي فيه بالتفصيل عن كل اللي حصل معايا طول العشر سنين، وبيقول فيه نصاً: “أنا عارف إن بناتي طمعانين، ومسجل كلامي ده عشان أحمي اللي اعتبرتني بنتها بجد، مش اللي سابوني في عزي ومرضي”، القاضي لما سمع الفيديو وراجع الأوراق، حكم ببطلان وصلات الأمانة اللي مضوني عليها بالإكراه، بل ووجه لهم تهمة الشروع في القتل والتهديد، وفي اللحظة اللي القاضي نطق فيها بالحكم، شفت في عينيهم نظرة انكسار عمري ما هنسها، مش بس خسروا الفلوس، دول خسروا كرامتهم قدام الكل، وجوزي اللي كان ساندني طول الوقت، بص لهم بصة وداع وقالهم كلمة واحدة “اللي زرعتوه في أبونا وفيّا، بتحصدوه النهاردة”، ومن يومها والبيت اللي كان بيجمعنا بقى ذكريات، هما خرجوا منه مطرودين بقوة القانون، وأنا وجوزي والولاد بقينا فيه، والهدوء رجع يملى حياتنا تاني، والوجع في رجلي خف مع الوقت، بس اللي مبيخفش أبداً هو الإحساس بالرضا اللي جوايا، إني كنت بنت بارة براجل مكنش أبويا من دمي، بس كان أبويا بروحه وقلبه، وربنا مبيسيبش حق حد، والجزاء دايماً بييجي من نفس جنس العمل.
………
القصة ما انتهتش عند حكم المحكمة، لأن اللي زارع الغل في قلبه سنين طويلة مش بيبطل بسهولة. بعد الحكم، بدأت الحرب من نوع تاني، حرب “التعريص” والتشهير في الشارع والمنطقة. أخوات جوزي، بعد ما خسروا كل حاجة، ملقوش قدامهم غير إنهم يلفوا على الجيران ويطلعوا فينا القطط الفطسانة، يقولوا إني أنا اللي كنت “مغيباه” وإني اللي سيطرت على دماغه عشان يكتبلي الورث.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما ظهرت “المفاجأة التالتة”. في وسط ما كنا بنحاول نلم شتات حياتنا ونبدأ صفحة جديدة، جالي اتصال من محامي حمايا بيقولي إن فيه “وديعة سرية” تانية خالص، مش فلوس، دي كانت “صناديق أمانات” في البنك، حمايا كان حاطط فيها كل دهب مراته الله يرحمها (حماتي) اللي كان مخبيه سنين عشان بناته مياخدوهوش يبيعوه في أول أزمة، وكاتب فيه ورقة بخط إيده: “الدهب ده لمرات ابني (ليلي) عشان عوضتني عن الحنية اللي مفتقدتها، وده حقها عشان لما بناتي يبيعوا البيت ويشتروا الفلوس، تلاقي هي حاجة تسندها”.
لما الخبر ده اتسرب ليهم، جن جنونهم. ليلة من الليالي، لقيتهم جايين البيت بيخبطوا بطريقة هستيرية، ولما فتحنا، لقيتهم داخلين ومعاهم ناس غريبة، مأجرين “بلطجية” عشان يرجعوا حقهم بالدراع. جوزي كان بطل، وقف قدامهم زي الجبل، وطلع في وشهم “حكم المحكمة” وبلاغ شرطة قديم كان عامله فيهم وقت ما كسرولي رجلي.
الموقف اتجمد، البلطجية لما شافوا إن فيه قانون وأوراق، انسحبوا وسابوهم لوحدهم. وقتها، أخوات جوزي انهاروا في العياط، مش ندم، لا.. كان عياط “قلة حيلة”، الكبيرة بصتلي وقالتلي: “أنتي خدتي كل حاجة، خدتي أبونا اللي كان بيحبنا، وخدتي فلوسه، وخدتي مكانه في البيت”.
بصيت لها بكل هدوء، ورجلي اللي لسه فيها أثر العملية ووجع السنين بيفكرني بكل دمعة نزلت مني وأنا بغير له هدومه، وقلتلها: “أنا مخدتش حاجة يا فلانة، أنا كنت شايلة أمانة أنتوا رميتوها في الشارع. أنا مخدتش مكانه، أنا كنت بنته اللي أنتوا رفضتوا تكونوا مكانها. اللي أنتوا خسرتموه مش فلوس ولا دهب، أنتوا خسرتم ‘البركة’ اللي كانت في البيت ده، والبركة دي مابتتشرش بالفلوس”.
من اليوم ده، انقطع حسهم تماماً، اختفوا من حياتنا ومن المنطقة كلها. وجوزي، رغم جرحه من أهله، فضل راجل بار بأهله حتى وهما غايبين، كان بيبعتلهم جزء من مرتبه (من غير ما يعرفوا إنه منه) عن طريق فاعل خير، عشان يضمن إنهم ميتبهدلوش. وأنا؟ أنا لقيت في عيون ولادي التوأم اللي بقوا دلوقتي في الجامعة، صورة حمايا، ولقيت في حياتي هدوء كان ناقصني كتير.
الحكاية خلصت، بس الدرس فضل محفور في جدران البيت ده: “الرزق مش بس فلوس، الرزق بني آدم طيب يطبطب عليك، والجزاء من جنس العمل، اللي بيزرع طيبة بيحصد راحة بال، واللي بيزرع غل، بيحصد نفسه وحيد ومكسور”
حكايات انجى الخطيب
حسيت إن كلامي ليهم في اللحظة دي كان زي السكينة اللي شقت الحقيقة قدام عينيهم، سكتوا خالص، وبصوا لبعض بنظرات انكسار وهما شايفين جوزي وهو واقف ساندني بكتفه، ملامحه كانت بتعبر عن عزة نفس وكرامة اتعلمها من أبوه، مش عن طمع أو كره. سابونا ومشيوا، بس المرادي مش زي كل مرة، مشيوا وهم حاسين بتقل الهزيمة، لا معاهم فلوس، ولا معاهم ضهر يسندهم، ولا حتى وجه يقابلوا بيه الجيران اللي بقوا عارفين حكايتهم بالتفصيل.
عدت الشهور، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها، بس هدوء البيت كان مختلف، هدوء مليان رضا. في يوم، لقيت جواب وصلني على البيت من واحدة من أخوات جوزي، مكنتش فاكرة إنهم لسه فاكرين عنواننا. فتحت الجواب وأنا إيدي بتترعش، لقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها أنا آسفة.. مش عشان الفلوس، بس عشان اكتشفت إننا عشنا طول عمرنا بنجري ورا سراب، وإنتي كنتي عايشة الحقيقة. أنا دلوقت لوحدي، وجوزي طلقني بعد ما الفلوس اللي كانت معانا خلصت في المحاكم، وعرفت إن اللي اتكسر بينا مبيتصلحش.
الرسالة دي كانت بالنسبة لي الخاتمة اللي مكنتش مستنياها. مكنتش محتاجة اعتذارهم، بس كان لازم