خدمت حمايا

بقى مليان زغاريد وضحك وريحة بخور طالعة من كل ركن. وسط الدوشة والفرحة، الباب خبط.. نفس الخبطة العالية اللي من سنين طويلة رعبتني وخلت قلبي يقع في رجلي، بس المرة دي مكنتش خايفة. جوزي هو اللي راح يفتح، ولقيته راجع ووشه منور بضحكة مالية وشه، وشايل حتة لحمة حمرا ملفوفة في بطانية بيضا، ووراه ابني ومراته.
جوزي قرب مني، وحط حفيدي في حضني، وعنيه بتلمع بدموع الفرحة، وقالي بصوت مليان شجن سميناه على اسم أبويا يا ليلى.. عشان البيت يفضل فيه ريحته، وعشان يتعلم منك يعني إيه أصول زي ما إحنا اتعلمنا. بصيت للمولود الصغير، ملامحه بريئة وهادية، ودموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي كانت دموع عوض وجبر خاطر. شيلته وقربته من قلبي، وحسيت إني بشم فيه ريحة الأيام الصعبة اللي عدت وطلعت منها كسبانة كل حاجة.
في اللحظة دي، سمعت صوت دوشة بره، ولادي الاتنين بيهزروا وبيتنافسوا مين فيهم اللي هيشيل الصغير الأول، وجوزي واقف بيبصلهم وبيضحك من قلبه. رفعت عيني للصورة المتعلقة على الحيطة، صورة حمايا وهو

بيضحك نفس الضحكة الصافية. حسيت إن روحه حاضرة معانا في المكان، بتبتسم وبتبارك اللمة دي، وكأنه بيطبطب على كتفي وبيقولي أمانتك كبرت وطرحت يا بنتي.
كل حاجة في الدنيا دي سلف ودين، الكلمة الطيبة سلف، والخدمة لوجه الله سلف، واللقمة اللي بتتحط في بوق ضعيف سلف، وحتى قسوة القلوب سلف بيترد لأصحابه في يوم من الأيام. أنا زرعت في أرض كانت باينة إنها ناشفة وصعبة، بس سقيتها بالرضا والصبر، وربنا طرحلي فيها جناين من الفرحة والستر. ودي مكنتش نهاية حكايتي، دي كانت بداية لحكاية جديدة خالص، بطلها حفيدي اللي شايل اسم راجل عرف يعني إيه يوزع حبه بالعدل، وسابلي وراه عيلة متتكسرش مهما الأيام مالت بيها.
……..
البيت كان دافي، دفا مش بس من الفرن اللي شغال أو الناس اللي بتضحك، دفا طالع من الرضا اللي مالي القلوب. ولادي التوأم كبروا، واحد فيهم بقى دكتور والتماني مهندس، الاتنين بيجروا حوالين حفيدي، شايلينه على كفوف الراحة، بيعوضوه عن كل لحظة حرمان شافوها هما في طفولتهم، وبيمسحوا بيه كل أثر للوجع اللي كنت بحس بيه لما ببص في وش جوزي وأفتكر قسوة أهله.
في ركن هادي من الصالة، قعدت على الكرسي اللي كان حمايا دايماً بيقعد عليه، وسندت ضهري زي ما كان بيسند، وغمضت عيني، حسيت بهدوء عجيب، هدوء مايتمتعش بيه غير اللي قلبه مفيش فيه ذرة غل ولا حسابات مع حد. فجأة، سمعت صوت خبطة خفيفة على الباب، خبطة مترددة، مش زي خبطة أخوات جوزي زمان، خبطة مكسورة.
قمت بصعوبة، وفتحت الباب، لقيت ست لابسة أسود، وشها دبلان ومحفور فيه التعب، وبصتلي بعيون مكسورة. مكنتش محتاجة وقت عشان أعرفها، دي كانت أخت جوزي الكبيرة. مكنتش جاية بتهجم ولا بتطالب بحق، كانت جاية بشنطة هدوم صغيرة، وبصتلي بصوت مخنوق وقالتلي أنا عارفة إني ماليش مكان، وعارفة إني كسرت رجلك وكسرت قلوبكم، بس أنا مليش حد، والشارع ميرحمش.
بصيت لجوزي اللي كان واقف ورايا، شفت في عينيه حيرة، بس في نفس الوقت شفت في عينيه أصل أبوه. مسكت إيدها، وبكل هدوء وقوة، دخلتها البيت. مش عشان نسيت اللي عملوه، ولا عشان الفلوس اللي اتسرقت، بس عشان أنا ليلى، الست اللي اتعلمت إن البيوت بتتبني بالستر والرحمة، وإن ربنا اللي رزقني بكل الخير ده، هو اللي بيختبر صبري مرة تانية.
قعدتها على السفرة، وقدمتلها لقمة، زي ما كنت بقدم لحمايا الله يرحمه. في اللحظة دي، ولادي دخلوا، وقفوا ورايا، مش عشان يطردوها، بس عشان يشاركوني في جبر الخاطر. ومن اليوم ده، اتحول البيت لدرس كبير؛ كل اللي دخل فيه من بعد الكسرة والظلم، خرج منه وهو متعلم إن الدنيا دي مش دايمة لحد، وإن الأصل هو اللي بيفضل، وإن الرحمة أقوى من أي محكمة وأي قانون.
قصتي قفلت فصولها، بس سابت وراها سيرة طيبة في المنطقة كلها. أنا لا بطلة خارقة ولا ست متميزة، أنا مجرد ست حبت ربنا ف جبر بخاطر راجل عجوز، ولما الدنيا دارت عليها، لقت ربنا بيبعت لها كل الناس اللي تحبها وتجبر بخاطرها. الحكاية خلصت، بس البركة لسه في البيت، والضحكة لسه في وش ولادي، والستر لسه مغطينا.. وكل ده، كان تمن عشر سنين خدمة لوجه الله، اللي طلعوا أحلى استثمار في حياتي كلها.
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *