القستان

روايات رولا

​— الأستاذة جاية فاكرة نفسها في مصيف ومش عارفة تمسك حتى البقرة!
​بلعت ريقي وسكت، وكملت شغل.
​بالليل، وأنا قاعدة إيديا ورمانه ومش حاسة بيها، فكرت إن طارق كان عنده حق، وإني فعلاً ما أستهلش حاجة.
​لقيت أم سعد جيت قعدت جنبي وطبطبت عليا وقالتلي:
— يا بنتي، هنا ما يفرقش أنتِ جاية منين ولا ابن مين، المهم هنا حيلتك أد إيه وهتستحملي قد إيه من غير ما تخلي حد يكسر نفسك ولا ينسيكي أنتِ مين.
​ما كنتش اعرف وقتها إن المزرعة دي مش بس هتكون النجاة ليا من الفقر.
​دي كمان هتحط تحت إيدي الدليل اللي هيهد كل الكدب والفلوس اللي طارق عمل بيهم ثروته.
​واللي حصل بعد كده كان اغرب من الخيال، حاجة ما تخطرش على بال حد إنها تبدأ بتريقة على فستان قديم!الجزء الثاني
​أول كم أسبوع في المزرعة كانوا أصعب مما تخيلت بمراحل. كنت بقوم الساعة أربعة الفجر، اتعلمت إزاى أراجع ماكينات الحلب، وأعرف البقرة العيانة، وأشتغل وأنا في قمة إرهاقي لدرجة إني كنت بنام من غير ما أفكر في طارق لحظة واحدة.
​أم سعد مابقتش تعاملني كواحدة خايبة لما اكتشفت إني فاهمة كويس في جودة اللبن، ودرجات الحرارة، ومعدلات الإنتاج والتصنيع.
​— وانتِ عرفتي الكلام ده كله منين يا خايبة؟
— أنا دارسة تكنولوجيا أغذية يا خالتي.
​الحاج متولي، صاحب المزرعة، كان سامع الحوار، فطلب مني أراجع خسائر كانت عندهم بقالها شهور. اكتشفت مشاكل في دورة التبريد ولخبطة في خطوط التوزيع، وفي أسبوعين بس قدرنا ننزل الهالك للنص.
​في الوقت ده، بدأت أقرب من إبراهيم، المسئول عن الخيل. كان بطل في قفز الحواجز لحد ما وقع وقعة جامدة أثرت على ظهره ونهت شغفه، كان طبعُه هادي، وبصته لي مفيهاش أي شفقة.
​في يوم بالليل شافني واقفة عند السور بسرح بفكري.
— انتِ لسه بتحاربي حد مش موجود هنا اصلاً!
— أنت ماتعرفش عني حاجة.
— أنا عارف شكل البني آدم اللي خسر حاجة ولسه سايب الخسارة دي هي اللي تمشيه.
​الجملة دي ضايقتني لأنها كانت صح ومستني.
​بدأنا نتكلم كل يوم بالليل، ولأول مرة من يوم ما طردني طارق، ألاقي حد بيسمعني من غير ما يسألني: “انتِ عملتي إيه خلاه يبص لغيرك؟”.
​بس طبعاً، مش الكل كان مبسوط.
​سحر، الممرضة بتاعة المزرعة، كانت حاطة عينها على إبراهيم بقالها سنين. بدأت كلام ملوش لازمة زي: “بنات البندر دول بيعرفوا يلاقوا لنفسهم مطرح في أي حته بسرعة!”، وبعدها جت قالتلي إن إبراهيم خلاص جاله شغل في الإسكندرية ومسافر، والأحسن مأملش نفسي.
​أنا صدقتها. وبدأت أبعد.
​إبراهيم وقفني عند الإسطبل:
— بتبعدي ليه؟
— مش محتاج تبرر لي خططك ولا سفرك.
— سفر إيه؟!
​وقتها فهمت إنها كانت حوارات مرسومة.
​بعدها بكام يوم سحر جتلي وهي بتبكي، واعترفت إنها هي اللي ألفت حكاية السفر:
— شفتك جاية مكسورة، ومع كده بص لك بصه عمره ما بصها لي.. الغيرة أكلتني.
ما قدرتش أكرهها، بس قلت لها بكل هدوء: “أرجوكي متقرريش حاجة في حياتي تاني”.
​كنت فاكرة إن دي أكبر مفاجأة في الشهر، بس طلعت غلطانة.
​في نفس الأسبوع، الحاج متولي طلبني في مكتبه، وكان حاطط قدامه تقارير الإنتاج اللي أنا عدلتها.
— يا ندى.. المعادلات وطرق الحساب دي.. جايباها منين؟
​جالي هبوط في قلبي.. دي كانت نفس الطريقة والمعادلات اللي عملتها من سنين لأول مصنع ألبان عمله طارق!
​الحاج متولي فتح دولاب ورق قديم:
— من فترة اشترينا خط إنتاج مستعمل من شركة كانت بتورد لـ طارق جوزك.. وكان فيه ورق جوه الصناديق.
طلع فولدر أصفر وقدمه لي.
​عرفت خط إيدي قبل ما ألمسه.
معادلاتي.. تركيباتي.. توقيعي.. وتواريخ من أيام ما طارق مكنش حيلته حتى مقر للشركة.
ومع الورق، كان فيه عقد كبس في الآخِر، أنا عمري ما شفته قبل كده!
​العقد كان فيه اسمي كـ “المؤلف الفني والمسئول عن الابتكار والتطوير”، وفيه توقيع طارق بإيده وموافقته على الكلام ده!
​كان فاضل أيام على جلسة المحكمة.. ولأول مرة، مكنّاش رايحين نجادل مين الصح ومين الغلط.. إحنا كنا رايحين نثبت مين اللي سرق مجهود التاني وتعب سنينه!
​الجزء الثالث والأخير
​مسكت الفولدر وضمتها لصدري كأني خايفة حد يخطفه مني. طارق كان دايماً بيطلع في البرامج ومع أصحابه يقول: “أنا بنيت الشغل ده كله من الصفر بجهدي”، لحد ما صدق كدبته ورسخها في دماغي. بس الورق ده مابينساش.
​المحامي بتاعي لما شاف الورق قال لي:
— الورق ده يقلب القض..ية رأساً على عقب يا ندى. ده إثبات رسمي إن حقك الفني والفكري قائم قبل ما الشركة تتأسس اصلاً، وهو معترف بدورك ده كتابياً!
​افتكرت أمي الله يرحمها وهي قاعدة تحت اللمبة بتخيط الفستان التل، وتعمل ورديات زيادة عشان تكفي مصاريف كليتي. كانت دايماً تقولي: “الفقر مش عيب يا بنتي، العيب إنك تبيعي أصلك وكرامتك”.
​أنا اتخرجت بمجهودي، وفي بداية جوازنا من طارق كنا شغالين في مخزن متأجر، أنا بطلع عيني في التركيبات والجودة، وهو بينزل يبيع ويسوق. لما الشركة كبرت، بدأ يمسح اسمي واحدة واحدة لحد ما بقيت “مراته اللي ملهاش في الشغل”، ولما بقى معاه ملايين قال لي: “إحنا خلاص مابقيناش ينفع نكون مع بعض، انتِ وقفتِ في مرحلة قديمة!”.
​يوم الجلسة الحاسم..
​دخلت المحكمة ونفس الفستان التل عليا.
طارق أول ما شافني ابتسم بسخرية:
— أهلاً.. الحلابة جاية ببدلة الشغل الرسمية ولا إيه؟
ونيرمين ضحكت بقلة ذوق.
​بصيت في عينه بثبات وقالت له:
— أه.. وفي المزرعة شفت ناس شغالين بيلقموا لقتهم بشرف، مش بيسرقوا شقا غيرهم ويقولوا بتاعنا!
​الضحكة اختفت من وشهم.
​المحامي بتاعي قدم الأول كشوفات الحسابات المتهربة، والتحويلات اللي طارق عملها باسم نيرمين وباسم شركات وهمية قبل الطلاق عشان يحرماني من حقي الشرعي.
​طارق حاول يبرر:
— دي حسابات تجارية ومش محتاجة توضيح!
​هنا المحامي طلع الفولدر الأصفر، وسلمه للقاضي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *