جوزي سافر مصيف

جوزي استنى الممرضة اللي بتيجي البيت تمشي، وبعدها مسك راسي وزقها ناحية سلة الزبالة بالعافية، عشان كنت مش قادرة أحتفظ بالأكل في معدتي. وبعدها حط صباعه على مكان العملية اللي كان لسه حساس، وضغط عليه لحد ما شهقت من الوجع، والشاش بدأ يتبقع.
وقاللي ببرود
قولي للممرضة إن السرطان هو اللي عمل كده.
بصيت على الساعة.
الممرضة كانت ناسية شنطتها وعربيتها لسه مركونة في مدخل البيت.
مقبض باب الشقة اتحرك قبل ما ألحق أرد عليه.
هو سمع الصوت هو كمان.
صباعه اترفع من على الشاش، والتعبير القاسي اللي كان على وشه اتغير بسرعة خوفتني تقريبًا قد الوجع اللي كنت حاساه.
الممرضة دخلت تاني وهي بتعتذر إنها نسيت شنطتها. لكن أول ما شافتني منحنيّة جنب سلة الزبالة، عينيها راحت فورًا على البقعة الجديدة اللي بدأت تنتشر على الشاش، نفس الشاش اللي كانت لسه فاحصاه من كام دقيقة.
قالت
إيه اللي حصل؟
جوزي رد بسرعة
هي تعبت تاني. ده بسبب السرطان.
الممرضة فضلت باصة ليّا مباشرة.
وقالت
أنا بسألك إنتي.
جوزي كان واقف قريب مني لدرجة إني كنت حاسة برجله جنب رجل الكرسي اللي قاعدة عليه. واللاصق كان بيشد جلدي مع كل نفس، وطعم الأكل المر لسه في بقي.
كنت عارفة كويس جدًا هو عايزني أقول إيه.
بصيت للممرضة.
وبعدين بصيت لشنطتها اللي كانت جنب الباب.
وبصيت لإيد جوزي اللي كانت متدلية جنب فخده.
وبعدها بصيت ناحية باب الشقة.
وساعتها
بطلت أغطي عليه.
قلت بصوت ضعيف
هو زق راسي ناحية سلة الزبالة.
صوتي كان مهزوز بس لأول مرة من فترة طويلة، كان صوتي أنا.
وكملت
وضغط على مكان العملية بعد ما حضرتك مشيتي.
جوزي ضحك ضحكة قصيرة، كأني عملت له فضيحة على حاجة تافهة.
وقال
هي تعبانة وموجوعة. مش عارفة هي بتقول إيه.
الممرضة ماجادلتوش.
بدل كده، قربت مني وقعدت على ركبتها شوية عشان تبص على الشاش من غير ما تلمسه.
وقالت بهدوء
لما أنا مشيت، الشاش ده كان نضيف.
ودي كانت أول حاجة
ماقدرش يفسرها.
بس هو حاول برضه.
فضل يتكلم عن العشا.
وعن

الغثيان.
وعن قد إيه الأسابيع اللي فاتت كانت مرهقة علينا إحنا الاتنين.
كأنه بيحاول يقنعها إن التعب والإرهاق هم اللي خلّوا إيده توصل لجسمي.
الممرضة سابته يخلص كلامه.
وبعدين بصتلي وقالت
تحبي أفضل معاكي؟
قلت
آه.
كلمة واحدة.
بس الكلمة دي كانت كفاية.
فك جوزي اتشد.
الممرضة سألتني سؤال تاني، المرة دي ببطء أكتر
تحبي تفضلي لوحدك معاه دلوقتي؟
قلت من غير تردد
لأ.
جوزي قرب مننا وقال بعصبية
الموضوع كبرتوها أوي.
الممرضة وقفت.
ماعملتش محاضرة.
ومااتهمتوش بحاجة هي ماشفتهوش بعينيها.
هي بس أخدت شنطتها اللي كانت ناسيها، وبعدتها عنه وقربتها مني، وبعدين سألتني إذا كنت عايزة أخرج من الأوضة معاها.
طول الأسابيع اللي بعد العملية، كنت بحكم على كل قرار في حياتي بسؤال واحد
إيه اللي هيخلّي الساعة الجاية أسهل؟
هل هقدر آكل من غير ما أرجع؟
هل هقدر أخد دش؟
هل هقدر أنام من غير ما مكان العملية يوجعني؟
جسمي كان خلاني أتعود أفكر في حاجات صغيرة جدًا.
بس حتى الاختيارات الصغيرة
بتفرق.
قلت
آه. عايزة أروح معاكي.
جوزي بصلي كأني خالفت اتفاق سري بينا، لمجرد إني نطقت بالكلمتين دول قدام حد تاني.
قال
إنتي بجد هتعملي كده؟
الممرضة رفعت شنطتها وقالت بهدوء
هي جاوبت على السؤال.
حطيت إيدي على الكرسي، وحاولت أقف.
الألم شد تحت الشاش، وجع حاد خلاني أوقف في نص الحركة.
لكن الممرضة مدتلي دراعها، واستنتني أنا اللي أقرر آخد إيدها ولا لأ.
وأنا
مسكت دراعها.
جوزي اتحرك الأول.
وبعدين وقف بنفسه مباشرة بينا وبين باب الشقة.
وهنا
عرفت إن الموضوع لسه في أوله.
الفصل الأول الباب اللي ماكانش عايز يفتح
وقفت قدام باب الشقة وأنا ماسكة في دراع الممرضة بكل قوتي.
جوزي كان واقف قدامنا.
مش بيزعق.
مش بيهدد.
بس وقفته لوحدها كانت كفاية.
كان عارف إن اللحظة دي مختلفة.
طول الفترة اللي فاتت، كان دايمًا بيختار الوقت اللي أبقى فيه أضعف منه.
بعد ما الممرضة تمشي.
بعد ما أهلي يقفلوا التليفون.
بعد ما أولادي يناموا.
بعد ما أكون مرهقة من الألم لدرجة إني مش قادرة حتى أفكر.
لكن المرة دي
الممرضة كانت لسه هنا.
وهو ماقدرش يتحكم في كل حاجة.
قال وهو بيحاول يبتسم
إنتي رايحة فين؟
ردت الممرضة
هي محتاجة تتفحص في مكان تاني، وخصوصًا إن الجرح بدأ ينزف.
قال بسرعة
النزيف ده طبيعي مع حالتها.
بصتله.
أنا ماطلبتش تشخيص منك.
الكلمة وقعت عليه تقيلة.
وشه اتغير.
حاول يضحك.
أنا جوزها.
وأنا عارفة.
يبقى من حقي أعرف هي رايحة فين.
قالتها بهدوء
أكيد. بس من حقها هي كمان تختار.
بصلي.
نظراته كانت بتقول كلام أكتر من صوته.
إوعي تعمليها.
أنا فهمت.
ولأول مرة
ماخفتش من النظرة.
قلت
أنا عايزة أروح.
الممرضة هزت راسها.
طيب.
مدت إيدها ناحية مقبض الباب.
جوزي اتحرك.
خطوة واحدة بس.
الممرضة وقفت.
وقالت
لو سمحت، ابعد عن الباب.
دي مراتي.
وعشان كده المفروض تساعدها، مش تمنعها.
سكت.
وأنا خرجت.
أول ما رجلي لمست سلم العمارة، حسيت إني مشيت مسافة عمر كامل.
الهوا برا كان بارد.
رغم إن الوقت كان لسه العصر.
الممرضة ساعدتني أركب عربيتها.
وأول ما قفلت الباب، انفجرت في العياط.
مش عياط خوف.
ولا حتى عياط وجع.
كان عياط واحدة كانت ساكتة فترة طويلة جدًا.
قالت وهي قاعدة جنبي
ماتخافيش.
ضحكت وسط دموعي.
أنا خايفة من إيه؟
من كل حاجة.
بصيتلها.
أنا خايفة أرجع البيت.
هي ماقالتش حاجة.
بس فتحت شنطتها وطلعت تليفونها.
قالت
هنتصرف صح. بس لازم أعرف حاجة.
إيه؟
هل دي أول مرة يعمل فيكي كده؟
سكت.
السؤال كان بسيط.
لكن إجابته كانت محتاجة أفتكر حاجات كنت بدفنها جوايا.
افتكرت أول مرة شدني من دراعي.
قال وقتها إنه كان متعصب.
افتكرت لما زقني ناحية الحيطة وأنا بحاول أخرج من الأوضة.
قال إن أنا اللي استفزيتُه.
افتكرت مرة كنت تعبانة جدًا، وهو رفض يوديني للدكتور وقال
كل شوية دكتور ومستشفى إنتي مكبرة الموضوع.
افتكرت لما رجعت من جلسة العلاج وأنا مرهقة، لقيته بيقول لأخته في التليفون
هي بتستغل مرضها عشان تخلينا كلنا نخدمها.
وكنت سامعاه.
لكني عملت نفسي ما سمعتش.
بصيت للممرضة.
وقلت
لأ.
قالت
لأ إيه؟
مش أول مرة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
تمام.
تمام إيه؟
تمام إنك قلتي الحقيقة.
في المستشفى، الدكتور فحص الجرح.
طلب تحاليل وأشعة، وسألني عن اللي حصل.
المرة دي ماكدبتش.
قلت كل حاجة.
مش بس اللي حصل النهارده.
حكيت عن المرات اللي قبل كده.
عن إن جوزي كان دايمًا موجود وقت الألم.
لكن بشكل غريب
الألم كان بيزيد لما أبقى لوحدي معاه.
الدكتور كان بيسألني
حد لمس مكان العملية؟
آه.
مين؟
جوزي.
كتب حاجة في الملف.
وبعدين رفع عينه.
هل هو عارف إن الضغط على المكان ممكن يسبب مضاعفات؟
هزيت راسي.
كان عارف.
متأكدة؟
أنا قلتله كذا مرة إن المكان بيوجعني.
الدكتور سكت.
وبعدين قال
إحنا هنحتاج نتصرف بحذر.
خرج من الأوضة.
الممرضة قربت مني.
وقالت
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
إيه؟
طلعت تليفونها.
أنا لما رجعت البيت عشان الشنطة كنت فاتحة تسجيل الملاحظات الصوتية.
بصيتلها.
يعني؟
يعني تليفوني سجل جزء من اللي حصل.
قلبي وقف.
سجل إيه؟
قالت
مش كل حاجة. بس سجل صوته وهو بيقول إن السرطان هو اللي عمل كده.
فضلت باصة لها.
الكلمة دي كانت بالنسبة لي أغلى من أي دليل.
لأن لأول مرة
حد تاني سمعه.
بالليل، وأنا في المستشفى، تليفوني رن.
اسمه ظهر على الشاشة.
حسام.
بصيت للممرضة.
ما ردتش.
التليفون وقف.
وبعد ثواني رن تاني.
وبعدين رسالة.
إنتي فاهمة إنتي عملتي إيه؟
بعدها رسالة تانية
ارجعي البيت ونخلص الموضوع بهدوء.
وبعدها
إوعي تفضحيني.
فضلت باصة للرسائل.
الممرضة قالت
ماتمسحيش حاجة.
قلت
مش همسح.
رن تاني.
المرة دي كان أخويا.
رديت.
ألو؟
صوته كان متوتر.
إنتي فين؟
في المستشفى.
ليه؟
سكت.
حسام اتصل بيا وقال إنك تعبتي.
بصيت للممرضة.
وقلت
هو قالك إيه بالظبط؟
أخويا سكت.
وبعدين قال
قال إنك وقعتِ وإن الجرح فتح.
ضحكت بسخرية.
وقعت؟
آه.
وأنا وقعت لوحدي؟
إنتي قصدك إيه؟
لأول مرة
حكيت لأخويا الحقيقة.
من أول لحظة حصلت فيها الحكاية.
لآخر لحظة عند باب الشقة.
وفي آخر المكالمة، أخويا قال
أنا جاي لك.
بعد ساعتين، أخويا دخل المستشفى.
أول ما شافني، اتجمد.
قال
يا نهار أبيض
كان شايف الشاش.
وشايف وشي.
وشايف عيني اللي ماعدتش قادرة تخبي حاجة.
قعد جنبي.
ومسك إيدي.
ليه ماقلتيش؟
قلت
كنت بخاف.
منه؟
هزيت راسي.
ومن إن محدش يصدقني.
أخويا سكت.
وبعدين قال
أنا مصدقك.
الكلمتين

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *