قبل ساعات من الفرح
الجزء الثالث
كانت الطائرة تخترق السماء بسرعة ثابتة، بينما جلست ليلى داخل الكابينة وكأنها وُلدت هناك.
الصمت حولها لم يكن فراغًا… بل تركيزًا حادًا. كل ثانية تمر كانت تعيد ترتيب شيء بداخلها، لكن هذه المرة ليس ألمًا… بل حسابًا دقيقًا.
على الأرض، في بيت العائلة، كان التوتر قد بدأ يتحول إلى خوف حقيقي.
حسن لم يعد يجلس. كان يمشي ذهابًا وإيابًا في الصالة، والهاتف في يده يرتجف.
فاطمة جلست بصمت غير معتاد، لأول مرة لا تملك تعليقًا.
أما كريم، فقد اختفى صوته تمامًا.
رن الهاتف مرة ثالثة.
الصوت هذه المرة كان رسميًا أكثر: “نبلغكم أن القائدة ليلى عبد الرحمن ضمن تشكيل جوي خاص في مهمة دعم عاجلة… وتم تصنيفها من أعلى درجات الاستعداد.”
سقط الهاتف من يد حسن.
“أعلى درجات الاستعداد؟ يعني إيه الكلام ده؟!”
لم يجب أحد.
لكن في داخله، بدأ شيء ثقيل يتكوّن… اسمُه الخوف.
في السماء…
جاء صوت من برج المراقبة عبر السماعات: “القائدة ليلى، الهدف على بعد 40 دقيقة. الوضع يتطلب هبوط دقيق في منطقة غير مستقرة.”
ردت ليلى بثبات: “تم الاستلام. أنا جاهزة.”
ثم لحظة صمت قصيرة… قبل أن تضيف: “دي مش أول مرة أطير في ظروف أصعب.”
أحد الطيارين بجانبها نظر إليها: “حضرتك كويسة؟”
لم تلتفت له: “أنا كويسة من زمان… بس النهارده بس الناس هتفهم ده.”
في نفس الوقت، بدأ خبر غير متوقع ينتشر داخل القاعدة الجوية.
اسم المهمة التي تم استدعاء ليلى لها لم يكن تدريبًا… بل عملية إنقاذ حساسة كانت تحتاج طيارين من النخبة فقط.
اسمها كان في أعلى القائمة.
وبجانب اسمها ملاحظة واحدة: “الأكثر كفاءة في الدقة تحت الضغط.”
على الأرض، في بيت العائلة…
بدأت الحقيقة تتسلل ببطء قاتل.
حسن فتح التلفاز على الأخبار العاجلة.
ظهر شريط أحمر: “تحركات جوية عاجلة للقوات المسلحة في إطار مهمة إنقاذ إنسانية حساسة…”
تجمدت يداه.
فاطمة همست: “هي كانت بتشتغل إيه بالظبط؟”
لكن السؤال الحقيقي لم يكن هناك…
السؤال كان: “إحنا كنا فاكرينها إيه؟”
بعد ساعات…
اقتربت لحظة الهبوط.
ليلى كانت تركز على الأرض تحتها. منطقة وعرة، والرياح غير مستقرة، لكن عينيها لم ترتجفا.
صوت البرج: “30 ثانية للهبوط.”
أجابت: “تم.”
ثم أغلقت كل شيء داخليًا… لم يعد هناك بيت، ولا عائلة، ولا ذكريات.