الواد دا مش ابني
كل القرايب كانوا قاعدين في نص دايرة باصين لنص الأوضة، وفجأة فهمت ليه قلبي كان بيدق بسرعة من ساعة المكالمة.
ده مكنش عشا.. ده كان كمين.
ياسين بدأ يقلق على كتفي، حس بالجو المشحون رغم إنه مش فاهم حاجة. وائل كان واقف جنب الدفاية، حاطط إيده في جيبه، ومش راضي يحط عينه في عيني أبداً.
وده رعبني أكتر من أي حاجة تانية.
مشى ناحيتي وهو ماسك ظرف أبيض.
حركته كانت مخشبة، كأنه حافظ الدور اللي هيعمله.
ومن غير ولا كلمة، حدف في إيدي الورق اللي جوه الظرف.
أنا فاكرة إني فضلت باصة للوجو شعار شركة التحاليل قبل ما عقلي يستوعب المكتوب تحتها. إيدي بدأت ترتعش لدرجة إن الورق كان بيعمل صوت في وسط السكون القاتل اللي في الأوضة.
احتمالية الأبوة 0.
لثانية واحدة، عقلي رفض يفهم. وبعدين وائل نطق
الولد ده مش ابني.
صوته مكنش عالي.. وده اللي خلاه يوجع أكتر.
بصيت له وأنا مستنية منه غضب، حزن، وجع قلب.. أي حاجة بشرية! بس وشه كان خالي من أي مشاعر،
نَفَسي كان بيتقطع أكيد فيه غلط.. مستحيل!
محدش رد.
فوزية هانم قامت ببطء من مكانها، كانت بمنتهى الشياكة بقماش الحرير واللولي، وشاورت بصباعها عليا وقالت بمنتهى القسوة
أنتي أهنتي العيلة دي بما فيه الكفاية.. خدي ابنك واطلعي بره بيتي!
وقفتُ في وسط الصالون، والأرض تميد بي. الولد ده مش ابني.. الكلمة كانت تتردد في أذني كصرخات في وادٍ سحيق. نظرتُ إلى ياسين، طفلي ذو الثلاث سنوات، الذي بدأ يتمسك بطرف فستاني بذعر، وعيناه الصغيرتان تتنقلان بين الوجوه الغاضبة والباردة من حوله.
وائل.. إنت واعي للي بتقوله؟ سألتُ بصوت مخنوق، محاولةً استعادة توازني. إنت عارفني كويس، وعارف إن حياتي بدأت وانتهت عندك. إزاي الورقة دي طلعت؟ ومين اللي عملها؟
وائل لم ينظر إليّ، ظل يشيح بوجهه بعيداً وهو يطبق قبضته بقوة.
الورق ما بيعرفش المشاعر يا نورا، رد ببرود قاتل. التحليل اتعمل في أكبر معمل، والنتيجة واضحة زي الشمس. أنا مش أبوه.. يعني طول السنين دي كنت عايش في كدبة.
فوزية هانم، حماتي، اقتربت مني بخطوات واثقة، وصوت مجوهراتها يرتطم ببعضه محدثاً رنيناً مستفزاً.
كفاية تمثيل بقى، قالت وهي ترفع حاجبها. إحنا عيلة الألفي، اسمنا ما يتلوثش. خدي الولد ده واخرجي من حياتنا بستر ربنا، وإلا الورقة دي هتتوزع على الكل.