حملت وانا في الصف الأول الثانوي

— “إذن استعدوا للقادم.. لأن ابني لن يتحمل مسؤولية فتاة بلا مستقبل”.

بلا مستقبل.. هكذا وصفتني!

وكأن طفلي أصبح وصمة عار، وكأن أحشائي تحمل فضيحة عامة وليست روحاً ونفساً حية.

في الصباح التالي، ساد الصمت طاولة الإفطار، ولم ينطق أبي بكلمة. كانت أمي تمشط لي شعري بقسوة وشدة غير معتادة من فرط توترها. وعندما وصلنا إلى المدرسة، فهمت سبب كل هذا.

كان هناك اجتماع عاجل..

المديرة.. الأخصائية الاجتماعية.. والدة مازن.. والداي..

وكان مازن يجلس في زاوية الغرفة، بزيه المدرسي المهندم وعينين جافتين لا تلمح فيهما أي أثر للندم.

دخلتُ وجسدي ينتفض رعباً.

قالت لي مديرة المدرسة بنبرة جافة:

— “اتفضلي اقعدي يا ولاء”.

لم أجلس.. لم تكن قواي تسعفني على الوقوف فما بالك بالجلوس.

بادرت والدة مازن، السيدة رانيا، بالحديث قائلة:

— “ابني بيتعرض لاتهام باطل. البنت دي عايزة تدمر سمعته وتتبلى عليه لمجرد إنه رفض يرتبط بيها”.

ضغطت أمي على يدي بقوة وقالت:

— “الكلام ده مش حقيقي!”

هنا رفع مازن رأسه، ونظر إليّ بنظرة دمرتني تماماً دون أن يلمسني، وقال:

— “أنا عمري ما كان بيني وبينها حاجة”.

ساد الصمت أرجاء الغرفة، وشعرت في تلك اللحظة كأن الأرض تنشق تحت قدميّ.

همست بنبرة مكسورة:

— “مازن…”

قاطعني وهو يتصنع الاشمئزاز والنفور:

— “متكلمينيش بالشكل ده.. إحنا يدوب زمايل في الفصل مش أكتر”.

انتفض والدي من مكانه وقال بغضب:

— “بص في عين بنتي وكرر الكلام ده تاني!”

وفعلها مازن.. نظر في عيني مباشرة وقال بلا رحمة:

— “اللي في بطنها ده مش ابني”.

في تلك اللحظة، انكسر شيء ما بداخلي.. لم يكن قلبي، بل كانت تلك المساحة الساذجة في روحي التي كانت تظن أن للناس السيئين حدوداً لا يتخطونها.

خفضت المديرة رأسها وهي تتطلع إلى ملف أحمر كان أمامها. لم أكن أعلم ما بداخله، لكن السيدة رانيا بدا وكأنها علمت، لأن ابتسامتها المتغطرسة اختفت فجأة.

وقالت السيدة رانيا بلهجة حاولت إخفاء توترها:

— “يا سيادة المديرة، أعتقد إن الأمور دي المفروض متدخلش في شؤون المدرسة”.

فردت المديرة بحزم:

— “يا مدام رانيا، الموضوع بقا شأن يخص المدرسة من اللحظة اللي حضرتك حاولتي فيها تضغطي على طفلة قاصر جوه المؤسسة دي”.

تصلب جسد السيدة رانيا، وابتلع مازن ريقه بصعوبة، بينما نظرت إليّ أمي في حيرة، ولم أكن أنا الأخرى أفهم ما يدور.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *