كان فاكر انه قفل السكة

​لما الخط قطع في الآخر، فضلت قاعدة في الزحمة والمطر عمال يخبط في الإزاز، وحسيت بحاجة ضخمة ومرعبة بتتحرك جوايا.. مش رغبة في الصريخ.. لأ، لسه.. حاجة أخطر بكتير من الصريخ.

​الهدوء القاتل.

​الهدوء ده انتشر فيا من جوا لبرا، خلى كل حاجة حواليا حادة وواضحة بشكل غريب.. الأسفلت الأسود المبلول، الساعة اللي منورة في التابلوه، الرعشة الخفيفة اللي في إيدي الشمال، ريحة القهوة الفاترة اللي في الكوبية الورق.. وصورتي أنا في قزاز الباب، وشي كان باهت، وغريب، وكأني أول مرة أشوف الست دي في حياتي.

​مروحتش البيت.

​أنا دورت العربية وطلعت على مكتب أبويا

واللى حصل هناك كان…… 

 

مكتب أبويا كان في الدور الأخير من عمارة قديمة في وسط البلد، نفس المكتب اللي كنت بروحه وأنا صغيرة عشان آخد منه مصروف المدرسة أو أستخبى فيه لما أزعل من أمي.

 

بس الليلة دي… أنا دخلته كشخص تاني خالص.

 

السكرتيرة أول ما شافتني قامت مفزوعة: — أستاذة ندى؟ حضرتك كويسة؟

 

هزيت راسي بهدوء: — عايزة مفتاح مكتب بابا.

 

اتوترت: — بس… من بعد وفاته محدش—

 

قاطعتها وأنا ببصلها بثبات: — المفتاح.

 

يمكن الطريقة اللي قولتها بيها خوّفتها. فتحت الدرج بسرعة وادتهولي.

 

دخلت المكتب وقفلت الباب ورايا.

 

ريحة الخشب القديم والورق والحبر ضربتني مرة واحدة. كرسيه لسه مكانه. النظارة فوق الملفات. حتى الكوباية اللي كان بيشرب فيها قهوته لسه على الرف.

 

وقتها بس… دموعي نزلت.

 

مش بسبب طارق. ولا رانيا.

 

بسبب أبويا.

 

لأن الراجل الوحيد اللي كان عمره مستحيل يبيعني… مات.

 

قعدت على كرسيه، وفتحت اللاب بتاعه اللي كنت عارفة الباسورد بتاعه من وأنا في الجامعة.

 

وبدون تفكير… فتحت إيميله.

 

كنت بدور على أي حاجة تخص الورث. أي ورق قانوني. أي طريقة أحمي بيها نفسي قبل ما الحيوان اللي اسمه طارق يلمس جنيه واحد.

 

لكن وأنا بفتح الرسائل…

 

إيميـل متعلّم بنجمة شد انتباهي.

 

عنوانه كان:

 

“لو ندى فتحت الرسالة دي يومًا ما”.

 

نفسي وقف.

 

الإيميل كان متبعت قبل وفاة أبويا بثلاث شهور.

 

فتحته بإيد بتترعش.

 

وكان فيه تسجيل صوتي.

 

ضغطت تشغيل.

 

وصوت أبويا طلع.

 

هادئ… متعب… بس كله حنية.

 

— “ندى… لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مبقتش موجود. وفي الحالة دي، لازم تعرفي الحقيقة كاملة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *