ادعيت ان بطني وجعاني ١
روماني مكرم
تقدمتُ بخطوات ترتعش. كانت الفكرة الأولى التي قفزت إلى عقلي هي أن آخذ السوار وألقيه من النافذة، أو أخبئه في مكان آخر. لكن الرعب شلّ تفكيري؛ ماذا لو عادت خالتي فجأة؟ ماذا لو كان هناك من يراقب البيت؟ الأهم من ذلك، كلمات خالتي في الهاتف: *”أول ما فاطمة ترجع هيلاقوا الذهب في شنطتها”*.. هذا يعني أن الشرطة أو أصحاب الذهب لديهم علم مسبق بمكان المكيدة، وأن التفتيش سيكون دقيقًا وموجهًا.
قضيت الساعات التالية في جحيم من الترقب. حاولت الاتصال بأمي عدة مرات، لكن شبكة الهاتف في المصنع الذي تعمل به كانت سيئة للغاية، وفي المرة الوحيدة التي تجمّع فيها الخط، جاءني صوتها المنهك:
“أيوة يا ملك يا بنتي.. بطنك لسه بتوجعك؟ أنا قريبة من البيت، ربع ساعة وأكون عندك.”
لم أستطع النطق. انحبس صوتي في حلقي كغصة مريرة، وأغلق الخط.
ومع هبوط الظلام، تحققت الكوابيس.
أضاءت الأنوار الزرقاء والحمراء جدران صالتنا الصغيرة عبر زجاج النافذة. كانت سيارة الشرطة قد صفت بالفعل أمام الباب، يرافقها رجل وامرأة يبدو عليهما الثراء الفاحش، والوجوه تقطر غضبًا. وفي نفس اللحظة، كانت أمي ترجلت من “الميكروباص” عند أول الشارع، تمشي بخطواتها المتهالكة، تحمل كيسًا بلاستيكيًا فيه بعض الخضار لعشائنا.
شاهدتُ المشهد من شق الشباك. استقبلها الضابط ومعه صاحب البلاغ. رأيت علامات الذهول والاندهاش ترتسم على وجه أمي المحتقن بالتعب وهي تُسأل عن الحقيبة. لم تتردد، ولم تخف، بل سلمت لرجال الشرطة حقيبتها بكل ثقة وبراءة وهي تقول:
“فتشوها يا باشا.. أنا شقيانة طول عمري بالحلال، عمري ما أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي.”
لكن الثقة تحولت إلى صرخة مكتومة مزقت قلبي، عندما أدخل الضابط يده وجذب المنديل الأبيض، ليتهاوى منه السوار الذهبي ضاحكًا ببريق الغدر تحت كشافات الإضاءة.
“مش بتاعي! والله العظيم ما أعرف جيه هنا إزاي!” صرخت أمي، بينما كانت القيود الحديدية “الكلبشات” تطوق معصميها النحيلين اللذين أنهكهما غسيل الصحون والعمل في المصانع.
لم أحتمل. ركضت إلى الشارع، وارتميت في حــ,,ـــــضنها وأنا أبكي بهستيريا: “أمي بريئة! خالتي نادية هي اللي حطته!” لكن صوتي الطفولي ضاع وسط جلبة العساكر وصيحات أصحاب الذهب، ودفعني أحد الجيران برفق بعيدًا عن السيارة وهي تتحرك مغادرة، وبداخلها أمي التي تنظر إليّ من خلف الزجاج بعيون باكية ومصدومة.