ادعيت ان بطني وجعاني ١

روماني مكرم

بقيتُ وحيدة في الشقة الباردة بعد أن تفرق الجيران، بعضهم ينظر إليّ بشفقة، وبعضهم يهمس بكلمات الاتهام. جلستُ على الأرض، وفي رأسي يدور سؤال واحد يحــ,,ـــــرق عقلي: **لماذا؟**

لماذا تفعل خالتي نادية، الأخت الشقيقة، بأمي هذا؟ أمي التي طالما اقتطعت من قوتنا لتعطي أبناء نادية، أمي التي ساندتها في طلاقها وفي مرضها.
لم يطل انتظاري للإجابة. في اليوم التالي، وأثناء محاولتي تجميع أوراق أمي الشخصية وعقد إيجار الشقة لتقديمها للمحامي الذي تبرع به أحد الجيران الشرفاء، عثرتُ على صندوق خشبي قديم وصغير كان يقبع في أعلى خزانة ملابس أمي. صندوق مغلق بقفل صدئ، لكنه انكسر بسهولة بين يديّ مستخدمة سكــ,,ـــــين المطبخ.

بداخل الصندوق، لم أجد مجوهرات أو أموال، بل وجدت رزمة من الخطابات القديمة الصفراء، يعود تاريخها إلى خمسة وعشرين عامًا مضت، وصورة ممزقة من المنتصف تم لصقها بشريط لاصق بعناية.

كانت الصورة تجمع جدي الراحل، وأمي فاطمة في شبابهما، وبجانبها رجل وسيم بملامح وقورة. وفي ظهر الصورة كُتب بخط جدي: *”خطوبة ابنتي الغالية فاطمة على المهندس شريف – ألف مبروك”*.

فتحتُ الخطابات، وكانت صادرة من ذات الرجل “شريف”. قرأت الكلمات بعيون متسعة من الصدمة. لم يكن شريف مجرد خطيب سابق لأمي؛ بل كان الحب الوحيد في حياة خالتي نادية. الخطابات كشفت المستور: نادية كانت قد حاولت بكل الطرق المستميتة في الشباب أن تلفت انتباه شريف، لكنه اختار أمي لشهامتها وطيبتها. وحينما رفضته أمي لاحقًا بسبب ضيق حاله وتفضيلها العمل لمساعدة أسرتها، اعتبرت نادية أن فاطمة “دمرت” فرصتها في السعادة والحياة الرغدة، وأنها استخفت برجل كانت نادية مستعدة لبيع عمرها من أجل نظرة منه.

لكن المفاجأة الأكبر، والصدمة التي جعلت جَسدي ينتفض، كانت في الخطاب الأخير الأسفل في الصندوق. لم يكن من شريف، بل كان تنازلًا رسميًا قديماً عن قطعة أرض ورثتها أمي وخالتي عن جدي في القرية.

نادية كانت قد زورت توقيع أمي قبل سنوات وباعت الأرض لحسابها الخاص لتسديد ديون زوجها الهارب. وأمي، عندما اكتشفت الأمر وقتها، لم تبلغ عنها حماية لسمعة العائلة، لكنها أجبرت نادية على توقيع إقرار برد المبلغ على أقساط، وهو الإقرار الذي كان يمثل سيفًا مسلطًا على رقبة نادية، إذ كان يمكن لأمي بموجبه أن تسجــ,,ـــــنها في أي وقت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *