عيالي التؤام

صافي هاني

​يمكن كلامها كان يبان عاقل ومظبوط.

​بس لما بصيت ليوسف…

​ابني ما كانش خايف من البوليس بس.

​كان فيه حاجة أظلم بكتير في نظراته. رعب ما يصحش طفل في سنه يعرفه أبدًا. كأن يوسف كان فاهم إن الخطر الحقيقي اللي في البيت مش هو اللي خارج من الباب…

​الخطر هو اللي قاعد ومكمل معانا.

​لما البوليس أخد مريم وخرجوا بيها للمدخل، فادي جري وراهم وهو بيصرخ وبيموت من العياط لدرجة إن صوته راح.

​أما يوسف فما تحركش من مكانه.

​فضل واقف زي الصنم في نص الصالة، إيديه مضمومة وجسمه مشدود، ومثبت عينه في أمه بسكوت تام.

​فيفيان بصت له.

​بكل هدوء.

ورقة.

وابتسمت.

​دي كانت اللحظة بالظبط اللي حسيت فيها بقشعريرة باردة بتهز ضهري كله والشك بدأ يأكلني.

​بالليل، وفيفيان واقفة برة في البلكونة بتتكلم في التليفون وتتسامر مع واحدة من صاحباتها الأغنية في النادي عن “الشغالين اللي ما يطمرش فيهم العيش والملح”، أخدت العيال المطبخ.

​صبيت لهم شوكولاتة سخنة في كوبايتين وحطيت عليها مارشميلو، كنت بحاول بكل طريقة أرجع الحياة طبيعية تاني.

​بس ما بقاش فيه أي حاجة طبيعية في البيت ده.

​يوسف كان قاعد ساكت خالص قدام ترابيزة الرخام، وباصص في الأرض.

​كتافه كانت مشدودة، ووشه كان مخطوف ومصّفر.

​وفجأة، بصوت واطي وبيرتعش، قال كلمة واحدة خلت حياتي المثالية اللي بتسوى ملايين تتهد وتتكسر كلها فوق دماغي.

 

همس يوسف وهو باصص للترابيزة وجسمه كله بيترعش: “بابا… ماما هي اللي حطت الحاجة في شنطة مريم… أنا شفتها”.

​الكوباية اتزحلقت من إيدي واتشظت مية حتة على الأرض، والشوكولاتة الساخنة اتدلقت على الرخام، بس أنا ما حسيتش بنقطة واحدة منها وهي بتلسع رجلي. الدونيا فجأة لفت بيا وسكتت تماماً، ومبقاش مسموع في المطبخ غير صوت نفسي العالي وصوت فيفيان وهي بتضحك برقة في البلكونة برة.

​نزلت على ركبي قدام يوسف، مسكت كتافه الصغيرة اللي كانت بتترعش وحاولت أجمع صوتي اللي هرب مني: “يوسف… حبيبي… أنت متأكد من اللي بتقوله؟ متأكد إنك شفت ماما؟”

​دمعة واحدة نزلت على خده الشاحب وهز دماغه براحة: “كنا بنلعب استغماية يا بابا… أنا استخبيت في الدولاب بتاع المطبخ، وشفت ماما وهي بتفتح شنطة مريم وبتحط فيها العقد الدهب والغوايش… مريم ما سرقتش حاجة، ماما هي اللي قالت للبوليس كدب عشان تمشيها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *