رجع من شغل ١٢ ساعه
محمد عبده
ربنا سخر له أسطى عبده، راجل جدع من جيرانه، كان لسه بيركن عربيتة الفيرنا المتهالكة. أول ما شاف منظر أحمد ومريم، فتح الباب اللي ورا بسرعة: “اركب يا أحمد، اخلص يا بني!”.
طول الطريق للمستشفى الحكومي القريبة، أحمد كان حاطط رأس مريم على حجر بيمسح على وشها ويقول لها: “قومي عشان خاطري.. قومي يا مريم أنا ضهرك، أنا أسف.. أسف إني سبتهم يعملوا فيكي كده”. مريم فتحت عينيها نص فتحة، وهمست بصوت مسموع بالعافية: “الشنطة يا أحمد.. الشنطة السمرة بتاعتي في الدولاب.. فيها الكشكول.. اقرأ الكشكول يا أحمد.. أومك.. أمك عايزة..”.
مكملتش الجملة وغابت عن الوعي تاني. وصلوا المستشفى، الدكاترة والممرضين جيروا بالترولي، شالوها من إيد أحمد ودخلوها أوضة الطوارئ، والممرضة زقته بره: “استنى هنا يا أستاذ، ممنوع الدخول”.
أحمد قعد على دكة حديد مصدية في طرقة المستشفى، ريحة الميكروباص والكلور خانقاه. حط راسه بين إيديه والدموع اللي حبسها طول السنين اللي فاتت في الغربة والشقا نزلت. افتكر كلام مريم عن الكشكول. “كشكول إيه؟ وشنطة إيه؟”.
الساعة بقت اتنين بالليل، الدكتور خرج وعلامات التعب على وشه، أحمد جري عليه: “طمني يا دكتور بالله عليك، مراتي وابني بخير؟”.
الدكتور قلع النظارة وقال بنبرة جادة: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة، تسمم حمل حاد وضغطها كان واصل للسما، ده غير إن جسمها مجهد جداً كأنها كانت بتشيل حديد، زائد ضغط عصبي ونفسي شديد. إحنا سيطرنا على الوضع والنبض استقر، بس لازم تفضل تحت الملاحظة 48 ساعة، وممنوع منعا باتاً أي زعل أو مجهود، وإلا هنضطر نولدها قيصري فورا والجنين لسه مكتملش في الثامن وده خطر عليه”.
أحمد حس براحة مؤقتة، بس كلام الدكتور عن الإجهاد والضغط العصبي قاد النار في صدره من تاني. دخل بص على مريم من ورا زجاج الأوضة، كانت مركبة محاليل ونايمة زي الملاك، وشها بدأ يرجع له لونه بالتدريج.
“مش هسيب حقك يا مريم، والبيت اللي اتهانتي فيه، مش هيدخلوه تاني”.
أحمد ساب المستشفى وأم أسطى عبده اللي جت تقف جنب مريم بعد ما كلمها، وركب توك توك ورجع على الشقة. جواه بركان شغال، بس المرة دي بركان بارد، بركان تخطيط وتفكير.
وصل البيت الساعة تلاتة الفجر. فتح الباب بالراحة. المفاجأة إن الصالة كانت زي ما هي، الزبالة في كل مكان، بس أمه وإخواته كانوا نايمين في الأوضة الكبيرة وأوضة الأطفال كأنهم في فندق. دخل أوضته هو ومريم، قفل الباب بالترباس، وراح على الدولاب.