امي سمعت ابويا بيكلم واحده تانيه
اماني سيد
قرب بخطوات مكسورة، وبص لماما وهو بيبتلع ريقه بعافية، وقال بصوت يرجف:
“هيام… أنا أتعلم عليا يا هيام. الدنيا دارت بيا وماليش غيركم.. أنا ندمان على كل كلمة وكل حركة عملتها، سامحيني ونرجع نلم شملنا وعيالنا من تاني.”
ماما وقفت بثبات، مسكت دفتر الحسابات بالراحة وحطته على الترابيزة، وبصتله بنظرة هادية جداً… نظرة ست شبعانة بكرامتها ورزق ربنا. رفعت رأسها وقالتله بنبرة صوت كان فيها صدى كل الوجع القديم، بس بقوة تزلزل:
“ترجع لمين يا مدحت؟ أنت نسيت كلامك ولا أفكّرك بيه؟ مش أنت زمان قولتلي الست الغالية والست القليلة؟ وقسماً بالله الكلام اللي قولهتولي زمان لو نسيت أنت.. أنا مانستهوش ولا لحظة!”
قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه وقالت بكل شموخ:
“تعالى شوف ‘هيام’ القليلة بقت إيه… لو عايز تشتغل هنا في المحل، تشيل الخضار وتنضف مع العمال وتاخد مرتبك كل أول شهر يعيشك.. أهلاً بيك، أنا أأكلك بالحلال وأشغلك عندي بالأجرة. إنما ترجعلي وفي بيتي؟ دي تشوفها في أحلامك يا مدحت!”
بابا اتصدم، الكلمة نزلِت عليه زي الصاعقة، كأنها نفس الكلمات اللي رمادها في وشها زمان بس المرة دي اتردت له في قلبه.
ولما لقى كلامه مع ماما مقفول، بصلة بلهفة وعينيه اتملت دموع، وقرب مني إيده بتمتد عشان يمسك إيدي وهو بيقول: “يا بنتي… أنتي كبرتي يا بنتي، كلمي أمك.. أنتي جنيتي، مش هتهوني عليكي أبداً!”
في اللحظة دي، شفت شريط الحصيرة والستارة اللي كنت واقفة وراها، شفته وهو بيزق ماما برجله كأنها حشرة، وشفته وهو بيشد السلسلة من رقبتها..
رجعت خطوة لورا بمنتهى الجمود، وبعدت إيدي عنه تماماً، وبصتله بثبات وقولتله بصوت قاطع:
“أنا مابنساش يا بابا.. ومستحيل أنسى الستارة اللي كنت واقفة وراها وشفتك وأنت بتدوس على ماما وبتهينها. اللي يتخلى عن أمه وعننا عشان الفلوس، مالوش مكان في حياتنا لما الفلوس تروح منه.”
لفت ضهري ووقفت جنب ماما، ومسكت إيدها بقوة. بابا بص لنا بقلة حيلة، ولما لقى إن البيت اللي هدمه بإيده مابقاش فيه مكان لرجوعه، لف ضهره وخرج يجر خيبته، وورا باب المحل اللي بقى ينطق بالعز والكرامة.
وبعد ما خرج بابا من باب المحل وهو بيكرجر خيبته وراه، ساد هدوء عجيب في المكان… هدوء عامل زي اللي بييجي بعد العاصفة لما تهدا وكل حاجة ترجع لمكانها الصح.